الحرب.. لعنة صاحبت الوجود الانساني عبر كامل مراحل وجوده, ولا ادري لماذا ارتبط دائما مفهوم القوة والضعف بمفهوم القدرة على صناعة القتل والدمار الشامل. تطورت اساليب الحياة وبقي هذا المفهوم مصاحبا لرحلة الانسان في وجوده فمنطق (هابيل) مازال ساري المفعول حتى اللحظة. وكان الوجود الانساني لا يعدو الا ان يكون مجرد صورة مكررة لا أكثر . آخر الصرخات العاقلة في هذا العالم المجنون جاءت هذه المرة على لسان (اليونسيف) اذ تقول في اخر تقاريرها ان نفقات التعليم والصحة تأتي دائما متأخرة مقارنة بنفقات التسلح. فبلد مثل يوغسلافيا نموذج, انفق ما بين عامي 86 و1995 نسبة 55% من ميزانيته على التجهيزات العسكرية لتغذية الحرب الاهلية. نموذج اخر ممثلا في اسرائيل 27% من ميزانيتها موجهة ايضا للاغراض نفسها, في حين لم تتعد حصة الــ 4% للصحة والــ 10% للتعليم. فالاعتقاد السائد ان نسبة القوة في بلد لا تستمد الا من خلال نسبة الانفاق العسكري. هذا اعتقاد خاطيء وبحاجة الى مراجعة اكيدة وسريعة. الا ان الصورة المؤلمة في هذا, هي تلك الواجهة السياسية المبهرة للعيان, والتي تفيد ان البلدان الاكثر انفاقا على اسلحتها هي ذاتها البلد الاكثر تسجيلا لحالات الوفيات بين اطفالها. وبالتالي هناك خلل ما.. فالصورة هي في هذه البساطة.. فالتسلح عادة ما يأكل حصة التعليم والصحة, فالرصاص المشترى لقتال عدو, فضحيته الاولى طفل قبل العدو, لان هذا الطفل حرم خبزا وحليبا قبل ان يبدأ استعمال السلاح المشترى ذاته, وقبل ان يصيب عدوا فلقد اصاب فلذة كبد, سواء ادركنا ذلك ام لم ندرك. الصيحة الثانية جاءت من منظمة عالمية ثانية, (منظمة الاغذية والزراعة الدولية) , والتي اشارت الى ان عدد الجائعين في العالم بلغ 800 مليون نسمة ومن بين هؤلاء 200 مليون طفل مريض واغلب هؤلاء يعيشون في قارتي آسيا وافريقيا. فمن لهؤلاء الاطفال.. بعد السماء؟.. فمن لم تقتله الحرب.. قتله الاسهال.. حتى وان كان الاسهال هو اخف الامراض بسبب الجوع.. لان الجوع لن يحتاج لا الى رصاصة ولا الى رشاشة.. فهو ببساطة يحتاج فقط الى لقمة حتى يسكت صراخ البطن, والصورة اخطر اذا اضيف اليها صراخات كالجهل, الجوع والمرض.. ويبدو ان الانسان وبإدراك منه لا يريد مغادرة هذا المثلث المسموم في كل حالاته. فكل الامل اليوم... بلوغ هذه المساحة العاقلة.