جاءت حكاية أم كلثوم وراحت مع انقضاء أسمار رمضان, ومع العبير الذي فاح منها, فقد تخلفت عنها أصداء ذكرى وأشواق وحنين, ظللت اتأمل شخصية الموسيقار محمد القصبجي كما أحسن أداءها الفنان المتألق أحمد راتب في مشاهد المسلسل المذكور.. ومثل أي عمل إبداعي كبير كان لابد لهذا العمل الفني أن ينعش الذاكرة ويدفع المرء إلى مكتبته الخاصة مفتشا عن واحد من الكتب الأثيرة إلى قلبي, العزيزة بحق على نفسي. الكتاب من تأليف, بل هو من إبداع أستاذنا يحيى حقي وقد كان رحمه الله يجمع في إنتاجه الأدبي بين عبق الفن ودقة المعنى ورقة المشاعر إلى حد التسامي, ناهيك عن ذلك الفيض الأخاذ الذي يتمثل في الروح الإنساني الذي كان يشع بين اعطاف الكلمات ويدفع قارئ السطور عند العم يحيى إلى معانقة كل ما أبدعه الحق تبارك وتعالى في هذا الكون المعجز من كائنات البشر والنباتات والطير والحيوان. هنالك ننفض غبار الزمن عن كتاب بعنوان (ناس في الظل) و في مفتتحه فصل آية في الجمال والرقة والتعاطف الجليل بعنوان (في الظل) لم يذكر فيه المؤلف اسما ولكن القارئ يدرك منذ الوهلة الأولى أن الكتاب يحكي حكاية القصبجي انسانا وفنانا ومتعبداً بالتجرد بل والتبتل في محراب الجمال حتى لتكاد تتحول زفرات العشق المنبعثة من جسده الرقيق النحيل إلى نغمات هي أحلى ما سمعت الأذن العربية, أو تتحول إلى همسات تتناهى إلى السمع والفؤاد من عالم الفن الجميل لتقع على أوتار عود القصبجي الذي لايكاد المرء يستدعي إلى الخاطر صورته إلا وقد احتضن العود في حنان ام رؤوم وشغوف. ويعلم الله كم أود أن تطالع معي هذه السطور التي كتبها يحيى حقي وهو يصف لحظة الوعد التي كانت تنعقد في سماء صالة الأزبكية أو سينما ريفولي في مطلع الحفل الشهري الذي تقيمه أم كلثوم الخميس الأول من كل شهر, وكانت وعودا تنظم, مثل عقد الياسمين, كل السميعة وكل المتذوقة وكل المحبين في طول الوطن العربي وعرضه. يقول يحيى حقي عن هذه اللحظة الكلثومية: كل الأبصار والأسماع والقلوب معلقة بها مجذوبة إليها .. انها تشع وعودا كأنها الأضواء بمتعة لاحد لها ولا شك فيها لأنها في علم الجميع وفي تجربتهم صادقة الوعد .. الصالة كلها منصرفة بغير وعي إلى تأجيل شحنة عاطفية جماعية لابد لها أن تتضح حتى يتم اللقاء في ذروة نشوة متبادلة ترتوي كل منهما من الأخرى. لكن هذه المشاهد المشحونة, بكل ما خلقت به من ابعاد ووعود وأطياف وشخوص لم تكن بغية الحس الغناني والانتقاء الدقيق عند يحيى حقي, أنه يقف بهذا الحس و الانتقاء عند كائن قابع في الظل, بعيدا عن وهج الضوء, قانع بزاوية خاصة اختارها لنفسه وسط هذا المعبد الواعد بمهرجان الضوء والنغم والصخب والفلاشات. يقول العم يحيى: أما نظراتي فكانت تتخطى ربة المعبد (أم كلثوم) وهي واقفة لتستقر عليه وهو جالس وراءها .. أي سر يجذبني إليه؟ انه (القصبجي) مندس في التخت, ولكن لا شيء ينطق مثله بالتفرد والانعزال.. كأن أضواء المسرح تؤذيه ولو أنها خافتة, يجف تحتها نبته, أنه لا يورق إلا في الظل وليس كل ظل, بل ظل واحد لابد منه, أنه ظل الواقفة أمامه التي صحبها في كل حفلة منذ أن بزغ نجمها, والصلة بينهما هي هذا العود الجميل الذي يحتضنه ويعكف عليه ويميل رأسه إليه.. ولكن لا يغرنك هذا الهيكل الجامد الصامت, ان كل عصب فيه متيقظ مشدود إلى صاحبة الظل ينبغي أن يتتبعه ليتلقى اشارتها فيعطيها ما تطلب أن يجيد لعب دوره في الحوار بينهما, تقوده ويقودها, بل عليه أن يتنبأ بما تريده أن يكون صادق الحدس فيسرع إليها بما تريد .. كل لذته شعوره, رغم زحام التخت من حوله والصالة أمامه ورغم الضجيج الصاخب بل الجنوني المتعالي من كل جانب, انه هو وهي منفردان في خطوة لا ثالث لهما, كأنه بدقاته على وتر العود يسر إليها بما يعجز عن الإفصاح عنه.. مطر التصفيق ينهال على صاحبة الظل من أفواه القرب يتناثر فوقه رشاش ضئيل منه.. يكفيه لأن النظرة هي من فيض صاحبته.. هكذا شاء ببراعة يحيى حقي أن يصور الفنان محمد القصبجي.. (قصب) كما تعودت أن تسميه أم كلثوم.. وهو اللقب الذي باتوا ينادون به الممثل أحمد راتب في مجامع القاهرة.. ومنتدياتها ومغانيها وأخونا أحمد راض به.. وسعيد كيف لا.. وفيه دلالة أكثر من بليغة صادقة على أن كهرباء الفن سرت دورتها متدفقة في تيار غير متقطع بين موهبة الفنان في الرمز وفي الايحاء وفي الايماء التشخيصي, وبين جماهير ملايين المشاهدين داخل وطن العرب, وأيضا في المهاجر العربية المنبثة هنا وهناك عبر المسافات والحدود وكم أحسن الأستاذ يحيى حقي في تصوير موهبة القصبجي اللحنية على نحو جمع فيه بين رقة العرض وأسلوب المقارنة.. لقد فاجأ الموسيقي الكبير الأسماع العربية عام 1928 بلحن شد إليه اهتمام السميعة والدارسين والمبدعين على السواء هو لحن (أن كنت أسامح وأنسى الأسية) من مقام الماهور وكان من النغمات الشرقية التي يتباعد عن طرقها كثرة الموسيقيين.. ومع ذلك استطاع الأستاذ القصبجي أن (ينحت) للأغنية نمطا فريدا من المعمار الموسيقي أو طرازا غير مسبوق من البناء اللحني المتماسك في كيان عضوي يجمع بين جمال التنوع واتساق التوحد. ويعلم الله يا مولانا - أننا لا نستخدم مصطلح المعمار الموسيقي من قبيل الكتابة ولا طبعا من باب الاستعراض, ان العم يحيى حقي يقول لنا في حديثه الذي تطرقنا إليه عن محمد القصبجي: كنا نشعر أننا بازاء ملحن في يده مسطرة وبرجل (فرجار) ومثلث, فهو يعشق الشكل المتماسك واضح الخطوط, حسن التركيب, لابد له أن يهندس لحنه.. هو أقرب الثلاثة إلى فن المعمار: مع زكريا صحبة في نزهة بين الحدائق, ومع السنباطي وقفة أمام بحر هائج, مع القصبجي تأمل لواجهة بناء فذ من فن المعمار. نفس المصطلحات يستخدمها صديقنا القديم الدكتور فيكتور سحاب حين أطلق على لحن (إن كنت أسامح) وصف المنولوج المقيد, بمعنى أن اللحن الذي ينطلق لا يلبث أن يعود إلى محطات أشبه بالقناطر التي تقوم عليها عقود الأغنية. ولأن العمل الفني كل لا يتجزأ فقد كان طبيعيا أن يغير الشاعر أحمد رامي من أسلوبه في التراسل الشعري فإذا به يعمد كما يقول الأستاذ كمال النجمي إلى التنقل بين الأوزان والقوافي كي يواجه الاحتياجات الفنية الجديدة التي استلزمتها نزعة التجديد عند الملحن محمد القصبجي الذي توسع في استخدام المقامات الموسيقية والجمل اللحنية المختلفة, مع اعطاء التخت مجالا أوسع ليشترك مع المطربة في التعبير وفي الاداء اللحني, وبذلك بدأ التخت الشرقي خطواته الأولى ليقف (كما حدث في زماننا الراهن) على أعتاب التحول (الهارموني) إلى نوع من الأوركسترا المستعرب الذي اتخذ طابعا خاصا يختلف عما كان عندنا قديما وأيضا عما يعرفه الأوروبيون. أرأيت كيف كان الرجل موهوبا ورائدا ومجددا رغم أن حياته كانت دراما موصولة بالوله العميق والشجن الدفين؟ عاش القصبجي في الظل.. قانعا عبر 30 عاما بزاوية متواضعة في بلاط أم كلثوم ولكن.. أتدري أن اسطنبول عاصمة تركيا الثقافية وحاضرتها الفنية مازالت تحوي معهدا للموسيقى يحمل اسم (محمد القصبجي) ؟