يقول كثير من الدبلوماسيين الامريكيين المخضرمين خاصة منهم: ان عهود حرب المدافع قد ولت وان المكان الوحيد الآن هو لحروب الدبلوماسية في ظل عالم جديد كما يراه الامريكان. نظرياً هذا تصور جميل, بل هو حلم ساحر يؤرق العاملين في ساحات الدبلوماسية العالمية, إلا انه عمليا مازال بعيداً كل البعد على ان يصير حقيقة ممارسة امام الموجة المتجددة من حالات النزاع والنزاع المضاد في كل اجزاء العالم. الا ان هذه السوداوية لا يجب ان تشكل النظرة الشاملة للواقع القائم, لان هناك طفرات سلام حصلت وانتصر فيها الدبلوماسي على العسكري. ما حدث في بريطانيا مؤخرا يعد تاريخياً, وصدقاً احدى الرهانات الدبلوماسية الرائعة التي يحق لادارة كلينتون الامريكية الافتخار بها كل الافتخار. لقد نجح الثنائي السيد بلير في بريطانيا والسيد كلينتون في واشنطن, بعد جهود مضنية وهائلة في التوصل الى امتصاص اسباب الحرب في بريطانيا, وصناعة وصياغة بنود معاهدة اسست لثقافة سلمية. الا ان السلام وهو هذا الواقع الجميل لا ينبغي ان يلف ويغطي صوراً اجمل قد لا يراها الكثيرون في زحمة طغيان السياسي والآني. فجميل جداً ان يحدث هذا الوفاء النادر من الحفيد بيل كلينتون تجاه اجداده في ربوع بريطانيا, لقد ظل بيل منذ وصوله الى البيت الابيض يعمل دون كلل ودون ملل على هذه الجبهة رغم الاحايين الكثيرة التي كانت جهوده تصطدم بنقطة الصفر. فكلينتون الذي يختلف العالم في وصفه, ربما هو اقبح الناس في نظر المحافظين, له مناقبه الروحية الاخلاقية, وهذا الوفاء للاجداد حتماً هو امر يحسب له لا عليه وما اكثر ما حسب ضد كلينتون. صورة اخرى جميلة في سلام ايرلندا, فالصراع الايرلندي البريطاني وهو صراع الاخوة الاعداء استمر 700 سنة كاملة, وهي فترة لم تمكن البريطانيين من احتواء الايرلنديين واقناعهم بامكانية الذوبان في هوية بريطانية موحدة وواحدة, كما لم تفلح ايضاً في اقناع الايرلنديين بالتخلي عن جذورهم وقناعتهم الاستقلالية, ومدة بهذه الفترة الزمنية كافية لحدوث تغيرات حتى في جيولوجيا المكان نفسه, وهي فترة اكلت ما اكلت من اعمار الانسان والاجيال المتلاحقة والمتجددة من غير توقف, ومع ذلك ظلت القناعة متوارثة في الدم ولا يهم معها الاعمار ولا تغيرات العالم حولها. فالايرلنديون انفصاليون ولا يهم كم سيستغرق ذلك من زمن وكم سيحصد من رجال ونساء, وكم سيأكل من اعمار السياسيين ولا كم سيصرف لاجل ذلك من اموال. وعندنا نحن العرب مرجعية مثل دارج تقول: (الدم عمرو ما يرجع مية) وهذا ما انطبق على الواقع الايرلندي. هذه صور ثلاث جميلة ورائعة لم تنقلها كاميرات العالم الى بقية العالم لما بعد حفل التوقيع الرسمي, سأعيدها سريعاً حتى يكتب لها البقاء في الذاكرة كما بقي الانتماء الايرلندي في ذاكرة ملايين, والجميل انه بقي كذلك حتى عند كلينتون الذي هجر اجداده الى العالم الجديد وحكم امريكا وصار الرجل الاول في الدنيا. * وفاء السيد كلينتون لانتمائه لاجداده * وفاء الايرلنديين لانفسهم ولانتمائهم ولما فيهم * انتصار الدبلوماسية بدلاً من اصوات القنابل محمد خليفة