من البشر أناس تشد انتباهك شخصياتهم, تستفزك أحيانا, وتثير استغرابك أحيانا, وتستدعي حيرتك أحيانا أخرى, تتنوع هذه الشخصيات وتتعدد اشكالها, منهم زعماء وساسة يأتون بأفكار وتصرفات لا يأتي بها الناس العاديون, فتتساءل هل هم أسوياء أم ان جنون العظمة وسلطان الحكم صرفا أنظارهم عن ان الناس ربما استهجنوا أفكارهم وتصرفاتهم فانقسموا إلى فريق في مأمن من بطشهم ومرمى نيران سلطتهم ومتناول مخالبهم وأنيابهم فعبر عن استهجانه بشكل من أشكال التعبير أدناه حديث المجالس وأقصاه صفحات المطبوعات ـ صحفا ومجلات وكتبا ـ وشاشات التلفاز ومايكروفونات الاذاعة. أما الفريق الآخر فهو شعوبهم المغلوبة على أمرها المشغولة بالسعي لكسب لقمة عيشها وهي تحصل عليها بالكاد وبشق الأنفس بتدبير من هؤلاء الحكام وعن قصد منهم حتى لا تتوفر لهذه الشعوب فرصة التعبير عن وجهة نظرها في أفكار حكامها وتصرفاتهم, أو مجرد التفكير في مدى رجاحتها أو حماقتها فيما لو كفوها مؤونة الانشغال بهذه اللقمة ووفروا لها عيشا رغدا ونفسا مطمئنة لا تخشى غوائل الأيام. ولأن الحديث عن هذا الصنف من الشخصيات محفوف بالمحظورات والمخاطر ومعرض صاحبه لتهمة الاساءة لشخصيات الزعماء والقادة وإفساد العلاقات بين الدول فدعونا نغادره إلى صنف آخر من الشخصيات قليل الحيلة قصير اليد, لا قدرة له على البطش ولا خاطر له يعمل له حساب إذا أقمنا ميزان مراعاة الخواطر, أولئك هم الأدباء والفنانون ذوو المواهب الابداعية المتنوعة كتابة نثرية أو شعرية ورسما ونحتا وتأليفا موسيقيا وعزفا وغناء, وأقصد منهم البعض ممن يختارون لأنفسهم حياة بوهيمية يعلنون من خلالها تمردهم على أعراف المجتمع وتقاليده وأنماط حياته التقليدية, فتراهم قد أطالوا شعورهم مثلا بشكل غير مألوف فاختفت وجوههم في غابة من الشعر الكثيف زالت فيها الحدود بين شعور رؤوسهم وأذقانهم وبدت أشكالهم إلى المجاذيب أقرب منها إلى أشكال الناس العاديين الأسوياء الذين نقابلهم كل يوم في الطرق والأماكن العامة, ومنهم من لا تستغرب شكله ولكنك تستغرب أفكاره وطريقته في التعبير عن هذه الأفكار, فهو إما ان يتبنى أفكاراً غريبة وآراءً يعلم ان السواد الأعظم من البشر لا يقّره عليها, ومع ذلك تجده متحمسا لهذه الأفكار مصرا عليها, هؤلاء هم الذين ينتهجون قاعدة (خالف تعرف) ليس إيمانا بهذه الأفكار أو اقتناعا بها بقدر ما تسيطر عليهم الرغبة في الشهرة ولفت الانظار وتسليط الأضواء على أنفسهم, إلى الدرجة التي قد يتعدُون فيها الخطوط الحمراء المتعارف عليها فيعرضون أنفسهم لمواقف هم في غنى عنها, وربما جرُوا على أنفسهم غضب فئة من الفئات أو أتباع دين من الأديان فأحلّوا سفك دمائهم وطالبوا برؤوسهم, وعلى ذلك شواهد كثيرة, أما من تحدّ من جموحه بقية من رجاحة عقل تجنبه هذا المنزلق وتبعده عن التعرض لعقائد البشر وأديانهم فإنه لا يعدم وسيلة للفت الأنظار ربما تمثلت في انتهاج مدرسة غريبة من مدارس الفن التشكيلي, أو التعبير عن أفكاره بأسلوب قوامه رصّ كلمات لا رابط بينها على سطر واحد أو سطور متفرقة حتى إذا ما قرأتها لم تخرج منها بجملة مفيدة أو معنى مفهوم, أولئك هم أصحاب مدرسة الحداثة الذين يقول أحدهم: (لو فهم القارئ ما أكتب لمزقت أوراقي ورحلت) , ولعمري ان أكبر خدمة يقدمها أمثال هؤلاء هي حرق أوراقهم والرحيل عن ساحة الأدب ـ ان صح أنَّ ما يكتبونه أدب ولست من الذين يرون ذلك ـ وحبذا لو امتنعوا عن القراءة أيضا حتى لا يعاودهم الحنين إلى الكتابة فيعودون لما كانوا فيه, المنتمون لهذا الصنف من البشر غالبا ما يكونون من الطبقة التي تسعى إلى كسب لقمة عيشها من امتهان حرفة الأدب والفن.. وهي حرفة أصحابها إلى الكفاف أقرب منهم إلى الغنى.. ولذلك فإن التعرض لهم بالنقد متاح للجميع فساحتهم مكشوفة وحصنهم غير منيع وسورهم ليس بالرفيع. غير ان هناك صنفا ثالثا من البشر تحتار في تفسير تصرفاتهم, فلا هم من صنف الحكام ذوي النفوذ والبطش والسلطان, ولا هم من صنف طالبي الشهرة ذوي الجيوب الخاوية والرؤوس العامرة بما لا يفيد, بل هم من طبقة الأغنياء الذين أنعم الله عليهم بالثروة والمال ووسّع عليهم في الرزق فتجاوزت أرقام ثرواتهم خانة الأصفار الستة وأصبحت تعدّ بالمليارات, ومن حاله كذلك يفترض ان تسعى إليه الدنيا منقادة طيّعة, فلا يعنّ له مطلب إلا ويجده سهلا ميسوراً طوع بنانه كأنما امتلك (خاتم سليمان) أو (مصباح علاء الدين) يصطف لخدمته الآلاف من سائر المخلوقات , ومع ذلك تقف حائرا أمام بعض أحوالهم وتثير استغرابك تصرفاتهم التي لا تتفق مع ما يفترض ان يكونوا عليه من عزة نفس تغنيهم عن السعي إلى بعض ما يتطلع إليه غيرهم ممن لا يتوفر له جزء يسير من ثرواتهم أو يعيش مطاردا من قبل سلطات بلده لاختلاف في الرأي أو نشاط سياسي محظور. من هذا الصنف ذلك الملياردير العربي الشهير المنحدر من بلد عريق قامت على أرضه أشهر الحضارات وأطولها عمرا وأخلدها أثرا, يفد إليها عشاق التاريخ المغرمون بعبق الحضارة من شتى بقاع المعمورة, يغبطون أهلها على ما حوت أرضها ظاهرا وباطنا من كنوز أثرية ومعالم سياحية ويتمنون الاقامة بها, ومع ذلك فصاحبنا ينام ويصحو على حلم الحصول على الجنسية البريطانية, يحاول ذلك بالتقرب إلى السلطات تارة متبرعا بالأموال الطائلة يغدق منها ويوزع في أنحاء المملكة بعد ان ضنّ بها على وطنه وأهله وأمته, وقد امتلك واحدا من أكبر المتاجر في العاصمة البريطانية بالاضافة إلى ناد لكرة القدم, حتى إذا ما فشلت الطرق الودية لجأ إلى القضاء ليتلقى الهزيمة تلو الأخرى في معركته هذه, وفي غضون أربع سنوات يرفض القضاء البريطاني للمرة الثالثة وبصورة قاطعة منحه الجنسية مبررا هذا الرفض بفضائح سياسية ومالية لطخت سمعته, بل ذهب القضاة هذه المرة إلى حد حرمانه من حق الاحتجاج على قرارهم ليقضوا على آماله في الحصول عليها في المستقبل المنظور, رغم ان هذه الجنسية تمنح كل يوم وببساطة لمن هبّ ودبّ من سكان المستعمرات البريطانية السابقة وغيرهم دون عناء ومشقة بينما يكابد صاحبنا ويبذل الغالي والنفيس فلا يجد سوى الرفض والصد وتدبير الاتهامات له من كل شكل ونوع إذ ما ان ينتهي من دفع تهمة وزير سابق له بمحاولة تشويه سمعته والقضاء على مستقبله السياسي حتى تخرج عليه مضيفة جوية كانت تعمل على طائرته الخاصة بدعوى تحرش جنسي بعد عام تقريبا من تهمة مشابهة وجهتها اليه مضيفة جوية أخرى. أما آخر ضربة تلقاها صاحبنا بصدر رحب وبرود عجيب فهي إعلان قصر باكينجهام انه لم يعد من حق متاجره الفاخرة ان تضع على منتجاتها العلامة التجارية (المموّن الملكي لدوق أدنبرة) التي تملكها منذ أكثر من 40 عاما, وكانت الملكة اليزابيث قد ألحقت ضربة أخرى به قبل شهر حين تخلت عن متاجره للمرة الأولى منذ أعوام طويلة في طلبيتها السنوية المؤلفة من 1400 قالب من حلوى الميلاد التي ترسلها إلى موظفيها متعللة بارتفاع السعر. ورغم ذلك كله يقول المتحدث باسم الملياردير العجيب ان حكم المحكمة برفض منحه الجنسية جاء (مخيبا للأمل) مؤكدا انه رغم هذا الرفض فإن صاحبنا سيجرب حظه مرة أخرى لدى محكمة لندنية أخرى! فهل رأيتم اصرارا على إهانة الذات وإذلالها أكثر من هذا؟ لا أعتقد ذلك, ولكننا لا نملك إلاّ ان نقول: (لله في خلقه شئون) .