يبدو أننا حقا نعيش زمن الكلاب, فقد أدهشتنا الألفية الجديدة بشكلها ومضمونها حيث تواترت أخبار الكلاب التي طيرتها وكالات الأنباء العالمية على رؤوسنا ومن بين جوانبنا تباعاً, وعكفت الفضائيات على متابعة تفاصيل تلك الأخبار, بل وانجزت تقارير خاصة حول مجتمعات الكلاب . ولم يذهب المثل الشعبي الذي مازال يردده الكثيرون هنا وهو (طوّل عمر واشبع طماشه) والذي يقابله تراثياً (عش رجباً ترى عجباً) , لم يذهب المثل أدراج الرياح, فقد سمعنا ورأينا وقرأنا العجب العجاب في ألفية الكلاب, اذ قام زوج وزوجة بتخصيص ما يزيد على 5 ملايين دولار لاستنساخ كلبتهما التي تدعى ميسي وتبلغ من العمر 12 عاما, وقد أكد الباحثون على أنهم أوشكوا على استنساخ أول كلب في العالم من الكلبة ميسي المتحدرة من فصيلة كولي الاسكتلندية. والذي حدا بالزوجين التفكير في تلك العملية كما تم التصريح به من خلال موقعهما على شبكة الانترنت وهو العشق الذي يبدأ من أول نظرة, فقد أكدت صاحبة الكلبة بأنها قابلت ميسي بالصدفة وكان عمرها لا يتجاوز الأربعة أشهر وكانت مرحة وجميلة جداً, ومن خلال بعض الحركات التي قامت بها صاحبتها اكتشفت ان هذه الكلبة ذكية فقررت هي وزوجها استنساخها دون التفكير في التبعات المالية الباهظة. ولأن رزق الهبل على المجانين كما يقال, فان فريق الباحثين الذي يرأسه الدكتور مارك ويستوسين الذي يعد أحد أبرز خبراء العالم في مجال استنساخ الماشية لا يجد غضاضة في هذا الامر ما دام هناك من سيمول المشروع, والذي ينوي مموله ان يبدأ تسويق مجموعة أصنعها بنفسك والتي تتيح لمالكي الحيوانات الأليفة أن يأخذوا عينة من سائل (دي. ان. ايه) الخاص بحيواناتهم وحفظها الى ان يتسنى استنساخ تلك الحيوانات فيما بعد, وذلك مقابل رسوم تخزين تتراوح ما بين 50 و100 دولار أمريكي للعام. ولا تدري ان كانت هذه الخطوة المثيرة ستجد حماساً أو صدوداً من جمعية حقوق الحيوانات أو من يؤيدها مثل الممثلة الفرنسية بريجيت باردو رئيسة مؤسسة باردو التي تعنى بشئون حماية الحيوانات, خاصة وأن باردو قد أكدت على أن مؤسستها على استعداد لتقديم خبراتها ومساعدتها بهدف وضع قانون لحماية الحيوانات في روسيا وذلك رداً على رسالة وجهها فلاديمير بوتين الرئيس الروسي بالوكالة الى مؤسسة باردو أعرب خلالها عن عرفانه الكبير لاهتمام (ب. ب) بمشكلة تكاثر الحيوانات في روسيا. وبعيداً عن باردو وبوتين نذهب لاكتشاف ما تهب به رياح المدنية الامريكية لنرى أننا أمام عالم مثير, ففي الولايات المتحدة الامريكية جامعتان في كل واحدة منهما كلية خاصة لتدريس طب أسنان الحيوانات هما جامعة بنسلفانيا وجامعة ايلينوي, والمثير أن عدد المتخصصين بمعالجة اسنان الحيوانات في العام 1977 كان ثمانية طلاب فقط بينما وصل العدد الآن الى ثلاثة آلاف طالب. ويبدو الأمر مختلفاً في عيادة الأسنان وغريباً, فبينما ينتظر أحد الكلاب دوره للدخول الى طبيب الاسنان ينام كلب آخر ملء جفونه على منشفة صفراء فيما يقوم عدد من الاطباء بعملية جراحية في أسنانه ولثته. ويشير الدكتور كولن هارفي البروفيسور في كلية الطب البيطري في جامعة بنسلفانيا الى ان تطبيب اسنان الكلاب يتم تماما كمعالجة اسنان الانسان, وان معظم آلام ومشاكل اسنان هذه الحيوانات يعود سببه الى التهامها قضماً العظام والمواد الصلبة. ولأننا نعيش ألفية الكلاب نعرج على لبنان حيث عاد نادي كينل العالمي ابتداء من الشهر الحالي لمزاولة نشاطه في لبنان, والنادي للذين لا يعلمون هو جمعية يسعى القيمون عليها للحفاظ على أصل الكلاب ونسبها ويقع المركز الرئيسي للنادي في مدينة نوين البلجيكية وينتشر في 85 دولة, ومهمة النادي هي التعريف بأصل كل كلب, خاصة وأن الكثير منها مشرد لا يحمل شهادة تعرف بأصله ونسبه. والشهادة هذه تؤكد صحة نسب الكلب على مدى ثلاثة اجيال, وتصنف الكلاب غير المعّرف بها رسمياً فتراقب مرور جيلين منها لتدخلها بعد ذلك في الفئة الأولى وتخولها للمشاركة في عروض عالمية اسوة بالكلاب الأخرى المعّرف بها. ويبدو ان الكلاب تمشي على غرار النجوم وأهل السينما والسياسة, فتدخل الانتخابات وتتوج وتتمخطر في مشيتها, فما دام هناك عشاق ومريدون, ومادام هناك مهرجانات وحفلات, فمن حق الكلاب أن تصاب بالغرور والأنانية أحياناً.. فالكلاب المنتخبة ينتظرها كالسياسيين ونجوم السينما مستقبل باهر ومميز اذ تسنح أمامها فرص الاشتراك في أفلام سينمائية أو تلفزيونية أو عروض أزياء. ولأن أهل الموضة لا يتركون باباً الا ويطرقونه, فقد أعلن الفرنسي ميشال دانييال عن مشروعه الجديد وهو (بوتيك الكلاب) يقوم مقابل مبلغ من المال بتأجير الزبون كلباً يتماشى مع أناقته, فاذا كانت البدلة رمادية يكون الكلب رمادياً, وذلك من خلال بروفة تتم بواسطة الكمبيوتر, حيث يحدد البرنامج نوع الكلب المرافق للزبون وشكله وأهميته. وبينما يبحث الكثيرون في هذا العالم المتلاطم عن حقوق الانسان, يتسلى الآخرون بتفاصيل حياة الكلاب وأسرارها وأصولها ونسبها وأنديتها الخاصة وحدائقها.. انها الألفية التي سنرى خلالها العجب العجاب في أسرار الكلاب!