كثيرا ما نستخدم في استعمالاتنا الدارجة, عندما نريد ان نصف سياسيا ما بالقدرة السياسية, او نعطيه بعدا فنيا خلاقا في عمله السياسي, ترانا نقول فلان الفلاني يتمتع بحنكة سياسية او نقول (انه رجل دبلوماسي) .في المجتمع السياسي, ينهض التدليس من جذور المكر او الفكر, مفضيا الى فضاء الحنكة السياسية (الدبلوماسية) منتجا مهنة العالم المتفنن في التدليس (الدبلوماسي), اي لديه القدرة على اللعب بالاشياء وتقديمها خلافا لما هي عليه . كان التدليس من مستحضرات التجميل السياسي لبلاط الامير او الملك, وكان الفقه السياسي ــ الديني او الاخلاقي, يقومه تقويما اعتقاديا لا معرفيا, ولكنه صار مع الايام ممارسة سياسية, مهنة او صنعة, يقوم عليها فن تدبير الجماعة, من المنزل الى الحي, ومن المدينة الى الدولة. وتاليا, صار يرى التدليس بعين الاستحسان ويعد مهنة العقلاء الاذكياء, وفن الفلاسفة الحكماء. ففي المسار الجديد لمهنة السياسة, لم يعد التدليس تهمة اجتماعية, وذلك بقدر تحوله الى مرتكز ينهض عليه القوام السياسي للجماعة عينها, فبعض الاحيان تلجأ حكومات الى انتهاج منهج التدليس على الرعية, اي سوسها بما يجعلها تنقاد للامر, خاضعة طائعة الى حد ما, وذلك من اجل الحفاظ على النظام برمته, والضمان في ان يكون التدليس ابرة تخدير طويلة الامد, بحيث يجد الفرد نفسه مسلوبا من ابسط مقومات حياته وحريته, دون ان يحاول فعل اي شيء يحرك به الراكد او الآسن في مستنقع الحياة. طبعا تطور التدليس في وقتنا الحاضر من الدبلوماسية داخل الجماعة, الى المكر السياسي, وما للحكومة من هذا التراث العريق, وصار يعرف في عصرنا العلمي ــ التقني باسم الفكر السياسي او العلم السياسي, وصارت وظيفة التدليس من اشرف المهن, فن قيادة الرجال. والتدليس صار يعرف اليوم باسم التسييس, بكل معانيه من ترويض الآخرين وتعبئتهم وصقل مواهبهم وشحذ قواهم, وان التسييس المعاصر, شيمة التدليس الغابر. محمد خليفة