انها ليست ديدون, الاسطورة التي حكمت صور, تلك الملكة التي تحكي الاساطير, انها هجرت وطنها بعد مقتل زوجها على يد شقيقها, لتبني مملكة جديدة في قرطاجة, والتي جاء في (الايناذه) ان (ايناس) في هربه نزل عندها, فهامت به, الا ان جوبيتر امره بتركها نحو ايطاليا. فانتحرت (أليسار) او ديدون بطعنة خنجر حزنا على فراق الحبيب . أليسار الجديدة هذه, تسكن لندن, وقد تتواجد في كل البلدان, فعملها يتطلب الترحال, والطلب عليها في كل مكان. مصادفة ان نلتقيها هناك, وتبدأ معها حكايتنا: مجموعة من الزملاء الصحفيين من بلدان مختلفة, اجتمعنا في لندن, فرغب صاحب الدعوة ان يحتفي بضيوفه, وان يكرمهم. واكرام العربي في بلاد اجنبية ان تقدم له اكلة عربية. يشعر بالوله هذا العربي نحو خصوصية مائدته, وتجد حالة اللوعة والاشتياق, تبدأ عنده في اللحظة الاولى التي يصل فيها الى البلاد المسافر نحوها. ما ان يجوع ويحين موعد الوجبة ــ اية وجبة ــ الا ويبدأ حنين قلبه ومعدته معا نحو صنوف المطبخ العربي. لهذا يحمل المسافر من بين الاشياء التي يعود بها, ذكرى المطعم, او المطاعم العربية التي زارها في بلاد الغربة. مضيفنا اختار مكان الدعوة في اهم واشهر موقع بلندن, الذي يعتبره الزائر العربي من معالم مدينة الضباب مثله كساعة بيج بن, واسم الملكة وصورتها, وسيارة الاجرة السوداء الشهيرة, ومتجر هارودز ومتحف الشمع, انه (اجور رود) الشارع الذي تنام بريطانيا وكل ما فيها في موعد مستقر كل ليلة, ويظل هو وحده سهران لا مواعيد له. مكتظ بالناس والحياة, نهاره مثل ليله, وان كان المساء الذي تنام فيه المدينة, افضل الاوقات للسير فيه. وعرفت في هذه الرحلة ان شتاءه مثل صيفه, لا يهدأ, ولا ينقطع عنه العرب. احد المطاعم الشهيرة في اجور رود, كان مكان الدعوة. وابلغ الضيوف ان على شرف العشاء ستكون (أليسار) موجودة كعادتها كل مساء, وستؤدي دورها في وصلة رقص شرقي ترحيبا بالضيوف الاعزاء. زميلنا, ولانها دعوة سهرة حافلة بالضيوف الثقال ــ المقام وليس الوزن ــ التزم ان يرتدي زيا رسميا, بدلة فيها ربطة عنق الوانها تجذب الناظرين نحوها. ومن بين بقية الزملاء, كان زميل اخر هو رئيس تحرير يلبس مثله ربطة عنق. اثنان فقط تزينو بالكرفتة, وصادف ان جلسا مقابل بعضهما على طاولة العشاء. هلت صنوف المطبخ العربي, اشكال وألوان ومذاقات مختلفة. انشغل الضيوف في البداية بأصناف الطعام التي صفت امامهم, وكان الحديث ينصب حولها. ابتدأت الفقرة الاولى في السهرة, وكانت بصوت مطرب مبتدىء, نعيقه زاد حالة عسر الهضم من كثرة الطعام عند الزملاء, التفت رئيس التحرير ــ وهو صاحب نكتة ــ الى الزميل لابس الكرفتة, مخاطبا اياه: لا بارك الله في هذه الربطة, انها منحوسة. وفقرة ثانية, وصوت أسوأ من سابقه, واستمرت قفشات رئيس التحرير, وعروضه على الزميل: ما رأيك نقطع هذه الكرفتة, اظن ان ربطتك هي المنحوسة. ألوان من الاطباق والاصوات والتجارب, وظن الزملاء ان أليسار ستكون مثل اصحابها. وبدأت السهرة تقترب من نهايتها, وفجأة خرجت أليسار, وكانت مفاجأة, جعلت رئيس التحرير يغير رأيه مخاطبا الزميل: يبدو ان ربطتك فأل السعد. لكن زميلنا لم يتجاوب مع حديث الكرفتة الذي شغل الزملاء جميعهم كان مشغولا بأليسار, الشابة الجميلة. اصر الزميل ان نكمل السهرة حتى نهايتها. في الليلة التالية كان موعد العشاء في مطعم عربي ايضا, فاذا بالزميل واقفا في بهو الفندق قبل الموعد المحدد, لابسا زيه الرسمي وبكرافتة.. ألوانها اكثر جاذبية هذه المرة. منظر الكرفتة اثار موجة الضحك عند الزملاء. وعلق صاحب الدعوة انه في هذه الليلة لن تذهب الى أليسار. يا خسارة.. عبارة اطلقها صاحب الكرفتة, واخذ يرددها حتى الوصول الى المطعم الجديد. على العشاء, صادف دعوة زملاء يعملون في الصحف العربية الصادرة هناك, وجلس زميلنا صاحب الكرفتة قرب احدهم. فوجدها فرصة ان يفتح الحديث معه, طبعا بعد الحديث الطويل والممل عن هموم وقضايا الصحافة, والصحافي العربي في اي مكان. سأله باهتمام: هل تعرف أليسار؟ وكان الزميل المقيم مهتما بهذا الموضوع ايضا. فأعطاه تاريخ هذه الفنانة الشابة, بلدها, اسرتها, الجامعة التي تدرس فيها. في طريق العودة, كان زميلنا مذهولا: تصوروا عمر أليسار, كم؟ سبعة عشر عاما ونصف. رد عليه احد الزملاء: امامها مستقبل طويل, عريض. ستحضر لها في الاعوام المقبلة. او قد يحضر حفلاتها احد احفادك. علق الزميل لم اتزوج بعد. فرد عليه: لن تجد مثل أليسار, مبروك مقدما. .. اخذ صاحب الكرفتة نفسا طويلا, وردد: يا ليت!