عندما زرت المجمع الثقافي في أبوظبي العام الماضي, اطلعني الصديق العزيز محمد أحمد السويدي, على مشروع موسوعة الشعر العربي الذي يستهدف إدخال الشعر العربي على الإنترنت منذ العصر الجاهلي, وحتى العصر الحديث, كذلك طباعته على أقراص (سي دي روم) , أي أسطوانات يظهر محتواها على الشاشة , كذلك مشروع الوراق الذي يستهدف إدخال خمسمائة كتاب من نفائس الأدب العربي على شبكة الاتصالات الدولية. وأعترف بداية أن موقفي تجاه هذه الوسائط الجديدة يشبه موقف شعراء الربابة الذين كانوا يقصون ملاحم أبو زيد الهلالي والظاهر بيبرس من المذياع عند ظهوره في القرن الماضي, وأن كان المنطق مختلفا, فعلاقتي بالكتب وثيقة جدا, وأول ما أقوم به عند استقبال يومي هو السلام على مكتبتي التي أزهو بها, وآخر ما أفعله قبل نومي هو تأمل أصدقائي من الكتب. منذ أن أطلعني الصديق محمد على مشروعه وأنا أتطلع إليه بحذر, ولم أتعامل معه إلى أن خطر لي استطلاع الأمر من باب الفضول, فطلبت من شقيقي وهو خبير اتصالات أن يطلعني على الموسوعة الشعرية, جلست بجواره قبل حلول موعد الإفطار الرمضاني بحوالي ساعة, وبدأ بكتابة العنوان: http://www.cultural.org.ae مرت دقائق, ثم ظهر على شاشة الحاسب الآلي صفحة تعلن عن موقع المجمع الثقافي وأنشطته ومحتوياته, وتصدرها خبر عن موسوعة الدكتور ثروت عكاشة (العين تسمع والأذن ترى) الصادرة بأجزائها الثلاثة عن عصر البارون من المجمع, حرك أخي السهم إلى كلمة (الموسوعة الشعرية) ثم ظهرت على الشاشة عبارة (انتظر من فضلك حتى يتم استدعاء الملفات) , استمر ذلك حوالي عشر دقائق, بعدها كان أمامنا فرصة الاطلاع على مليون وثمانمئة ألف بيت شعر عربي من العصر الجاهلي حتى الشعر الحديث. أمامنا ظهر جدول إلى يمين الشاشة أشبه بفهرس عليه اسماء الشعراء, يمكن تحريكه إلى أعلى أو أسفل, ويحدد السهم الشاعر المطلوب, وبضغطة بسيطة نجد على الصفحة أمامنا الأشعار, فإذا أردنا قصيدة معينة فأمامنا في جدول آخر عدة محاور يمكن التعامل معها. العروض: وتوضح الشعر والقافية, ومنها يمكن الوصول فورا إلى بيت الشعر المطلوب وإلى القصيدة. الشعراء: ومنه يمكن معرفة تفاصيل حياة كل شاعر والمعلومات المتوفرة عنه. الألفاظ: ومنها يمكن معرفة الألفاظ ودلالاتها, فإذا اردنا أن نعرف مثلا عدد المرات التي ترددت فيها كلمة (حنين) في شعر المتنبي, عندئذ يمكن أن نكتب الكلمة والمطلوب فيظهر لنا خلال ثوان. الاستماع: إذا أردنا الاستماع إلى القصائد, فيتم ضغط مفتاح, عندئذ نصغي إلى القصيدة بأصوات أشهر المتخصصين. المراجع: إذا أردنا أن نعرف كافة المراجع المتخصصة في دراسة شاعر معين أو عصر معين, يمكن استدعاؤها على الفور. هكذا خلال دقائق معدودات, يمكن التوصل إلى نتائج كان الباحث يقضي من أجلها أسابيع وربما شهور, تضم الموسوعة الآن: * من الشعراء الجاهليين 312 * من الشعراء الإسلاميين 73 * من الشعراء الأمويين 128 * من الشعراء الفاطميين 25 * من الشعراء الأيوبيين 23 * من الشعراء العباسيين 111 * من الشعراء الأندلسيين 136 * من الشعراء المملوكيين 24 * من المحدثين 135 خلال دقائق تم الضغط على مفتاح التحكم, فانتقلت محتويات الموسوعة إلى اسطوانة وزنها ثلاثة جرامات, احتوت على مليون وثمانمئة ألف بيت من الشعر العربي, أي ما يتجاوز الألف ديوان شعر, بعضها العثور عليه الآن من أصعب الأمور, ويكلف الأمر مالا جسيما, مرة أخرى عاودني الشعور بالفرح والغيظ أيضا, أما الفرح لأنني لأول مرة أرى بأم عيني إلى أي حد أفادت الوسائط الحديثة الثقافة, وجعلتها ميسورة, سهلة, مجانية, فالموسوعة الشعرية تظهر مجانا ويتم تخزينها مجانا, أما الغيظ فلأنني أنفقت عمرا كاملا في محاولة اقتناء نصف هذا العدد وبذلت مالا كثيفا, تجمعها وتشغل الآن حيزا كبيرا في بيتي, وها أنا أراها في رقيقة معدنية, بل أضعاف ما عندي, مقروءة ومسموعة أيضا, نفس الشعور تكرر عندما قمنا باستدعاء برنامج الوراق الذي أعده المجمع, وعنوانه كالآتي: WWW. Alwarrag. Com يتضمن هذا البرنامج ثلاثمئة كتاب من أمهات الأدب العربي, يكفي أن نعرف مثلا احتواءه على قاموس لسان العرب لابن منظور, وقواميس أخرى, والأغاني للأصفهاني كاملا, وأعمال الجاحظ كاملة, والتوحيدي, والهمذاني, وابن إياس, والجبرتي, وابن واصل, مكتبة كاملة للأدب العربي القديم. مشروحة, مزودة بالوسائل الميسرة للبحث. ويمكن تخزين هذا كله في رقيقة معدنية وزنها أقل من جرامين أو ثلاثة. هذا ما قام به شاب مثقف مدرك لقيمة الثقافة وأهميتها متقن لوسائل العلم الحديثة وهو محمد أحمد السويدي أمين عام المجمع الذي أنشأه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات جزاهما الله الخير العظيم, حتى أن كنت لا أتقن التعامل معها. الجمعة: ضمور الأمثال منذ زمن بعيد لم أسمع هذه العبارة (على رأي المثال) عبارة كانت تتخلل أحاديثنا وحواراتنا اليومية, يعقبها ذكر أحد الأمثلة المتوارثة, والتي تعكس في مجموعها خبرة هائلة متوارثة منذ الأزمنة السحيقة يحتفظ الناس فيها بتجاربهم ومخزون ذكرياتهم والدروس المستخلصة من حياتهم, ليست الأمثلة إلا وسيلة تحفظ بها الشعوب ذاكرتها, وخصوصيتها, وقيمها, إنها عنصر ثقافي إيجابي فعال, وكثيرا ما كنت أصغي إلى محدث لي ممن أعرفهم, من قريتي في الصعيد, أو من إحدى حارات الجمالية, وأرصد معجبا تدقق هذا الكم من الأمثال التي لم أقرأ نصوصها في كتب, ولم أسمع مثلها في أي أدب شعبي آخر, رغم تعدد كتب الأمثال التي جمعت قدرا كبيرا منها, بدءا من كتاب أحمد تيمور باشا, وحتى كتاب إبراهيم شعلان, وكتاب الدكتور سيد عويس الذي صدر في (كتاب اليوم) . لماذا ضمرت الأمثال, واندثر معظمها؟ هل الوسائل الحديثة للتأثير لها دور مثل التلفزيون الذي يحول الناس خاصة في الريف إلى مجرد متلقين, عندما يجلسون محملقين, يتابعون ما يلقى عليهم لا غير, أي مجال إذن لضرب الأمثال؟ أم إنه تقطع الحوار بين الناس, أم انعزالي إلى حد ما خلال السنوات الأخيرة واتجاهي أكثر إلى الحوار مع الذات, إلى استبطان داخلي في تأمل طويل عميق, وبالتالي تنتفي الحاجة إلى ضرب الأمثال, حيث لا يضرب المثل إلا من خلال حوار فعال, قوي. الحق أنني لا أقف على إجابة جاهزة, وإنما أجتهد في إيجاد تفسير, لعلني أقف على الأسباب, وكثيرا ما أقول إن طرح التساؤلات يتضمن الأسباب, أدعو الباحثين إلى تسجيل أقصى قدر ممكن من الأمثال الشعبية قبل اندثارها, كما أدعوهم أيضا إلى تأمل ظاهرة انحسار الاستشهاد بالأمثال الشعبية في حوارات المصريين اليومية وأسباب غيابها وهل يعني ذلك إذا صح بدء فقدان الذاكرة الجماعية الخاصة للمصريين والعرب الذين برعوا في الأمثال وكانوا يؤرخون بها لتجربتهم وتاريخهم وحكمتهم. هل ستصبح الأمثال مخزون الحكمة مجرد فولكلور يتندر به نجوم الكوميديا؟ السبت / أسبانيا غجر على باب المطعم الذي يقدم رقصات الفلامنكو الأسبانية الشهيرة يقف اثنان, غجريان, أحدهما ممتلئ, يرتدي معطف, وقميص صوف عالي الرقبة, يحيط معصمه بسلاسل فضية غليظة, بشكل ما أخشى الغجر مع أنني متعاطف إنسانيا معهم إلى حد بعيد بسبب ما تعرضوا له وما يتعرضون من اضطهاد وظروف حياة صعبة غير مستقرة, ربما ترجع الخشية إلى زمن الطفولة في الصعيد, عندما كان يصل أطلب (الغجر) إلى مشارف البلدة, تشتد الخشية على الأطفال وعلى الرجال أيضا, أما الأطفال فخوفا عليهم من الخطف, أما خطف الرجال فيتم باسلوب آخر تحتاط منه النساء, ورغم الحذر تفتح أبواب البيوت لنساء الغجر إذ يتقن قراءة الطالع وضرب الرمل والإصغاء إلى أسرار الودع. توقف صديقي ليتحدث إليهما, لم أدر من أوقف من؟.. نظر مرتدي المعطف إلى آلة التصوير التي أحملها, طلب من صاحبي أن التقط له صورة, التقطت له صورتين مع رفيقه, استأنف الحديث مع صاحبي الذي يتقن اللغة الأسبانية, وعندما لاحظت أنه لم يهتم بذكر عنوانه لكي أرسل إليه الصورة, سألت لماذا تحرص على صورة لن تصل إليك؟ قال الغجري إنني أوجد في اللامكان, وأريد أن أوجد في الصورة, ليس مهما أن تصلني, المهم أن أوجد ولو في صورة لا أعرف مقرها.