ليس هناك مسألة في التاريخ الحديث اخذت عمرا زمنيا اكثر من عمرها وزمنها الطبيعي, كمسألة حريق اليهود في الحرب العالمية الثانية. والمسألة تجاوزت ان تطرح ويعاد طرحها كخلفية سياسية تستخدمها الاطراف اليهودية حسب الطلب وحسب الموقع وبحسب مصالحها العاجلة والآجلة . المسألة الآن, هي هل ما حدث لليهود في محرقة جماعية مسألة سليمة كواقعة تاريخية؟ وبالصورة التي يقدمها اليهود للعالم مرة لجلب الاستعطاف على انهم اقلية مضطهدة ومقهورة ومنزوعة الحقوق, ومرة على انها مصدر ابتزاز مالي عن طريق المطالبة بقائمة تعويضات مالية خرافية. المسألة.. هي ان اصواتا ومن داخل المعسكر المتحالف مع اليهود ذاته تقدم ادلة مغايرة لتلك التي دأب الطرف اليهودي على تقديمها منذ الحرب العالمية الثانية, فهذا آخر الكتاب الغربيين الذي تناولوا الموضوع (ديفيد ايرفينج) يقول: ان المجزرة التي تعرض لها اليهود وقعت ولكن رميا بالرصاص وليس حرقا في النار, ووقعت ايضا من دون علم (هتلر) وليس بأمر منه. واضاف الكاتب يقول: ان القيام بمجزرة جماعية وبهذا الحجم يبدو من الناحية العملية امرا مستحيلا. وذهب الى حد الانكار, ان تكون المجزرة اليهودية قد وقعت في اطار برنامج للابادة وضع تصوره الرايخ الالماني. ووصلت قناعة الكاتب الغربي الى حد مقاضاة الاكاديمية الامريكية وصاحبة كتاب (انكار المحرقة: الافتراء المتنامي على الحقيقة والذاكرة) . وعندما وقف الكاتب امام المحكمة, رد على القاضي بقوله (لقد قلت في مناسبات عديدة انني لو كنت يهوديا لما اكترثت بشأن من ضغط على الزناد لقتل اليهود, بل سيكون قلقي اكثر لمعرفة لماذا حدث ما حدث, وان معاداة السامية نوبة مرضية تصيب المجتمع على نحو متكرر ولابد من وجود سبب ما يدفع الجماعات المعادية للسامية الى الظهور) . وزاد في شهادة الكاتب امام المحكمة جرأة الى موقفه السابق عندما اعترض على استخدام مصطلح المحرقة ووصفها بالكلمة المضللة وغير المقيدة بالنظر لغموضها وعدم دقتها وعدم علميتها, ودعا الى السعي الى تفاديها كما نتفادى الطاعون. واضاف الى جرأته السابقة, جرأة مضاعفة, عندما اكد ان المأساة لم تصب اليهود فقط اثناء الحرب العالمية الثانية, بل اصابت شعوبا اخرى بكاملها من اليابانيين والغجر وسكان كوفنتري وهيروشيما. وذهب الكاتب الى القول.. (اني ارفض مطلقا ان اجعل متحدثا باسم القوى المعادية لفكرة تعرض اليهود لمحرقة تاريخية) . الوضع الآن اختلف, لقد نال اليهود التعاطف العالمي الواجب وزيادة وهم في طريقهم للحصول على اعتذار وتعويضات المانيا, بقي امر آخر من الواجب حصوله وهو مرتبط بنصيب الشعوب الاخرى التي تعرضت للحرق ايضا, ثم امر آخر, لقد حان الوقت لاتاحة الفرصة امام الدراسة التاريخية لتؤدي وظيفتها. محمد خليفة