في آخر زيارة لي الى مدينة مدريد عاصمة اسبانيا, في شهر نوفمبر الماضي, يعني في العام المنصرم والقرن الماضي والألفية الفائتة, لمحت في أحد الشوارع مكتبة لبيع الكتب تعرض في واجهتها المتسعة مجموعة من الكتب الانجليزية. فرحت بالمكتبة, وقررت ان ارجع اليها وحيدا في جولاتي التي اترك فيها العنان لقدمي تقودني حيث تشاء , وبالفعل, ما كدت أجد نفسي وحيدا, في صباح بارد من ايام اقامتي المعدودة في مدريد, حتى تسللت خارج الفندق, متدثرا بما يقيني من ذلك البرد القارس الذي قيل ان مدريد لم تشهد مثله منذ سنوات, ومضيت هائما على وجهي كعادتي في العواصم التي أحبها, اسير بلا هدف محدد تماما, واراقب كل شيء, وامتع عيني بجمال العمارة وجمال البشر على السواء, ولا اتعجل الوصول الى المكتبة, مدركا ان متعة الطريق في ذاتها لا تقل اثارة عن متعة الوصول الى الهدف المحدد. وظللت على ذلك الحال الى ان وصلت الى المكتبة التي قصدت اليها. ودخلت الى حيث الكتب الانجليزية فورا, تاركا ارفف الكتب الاسبانية التي تحتل اغلب جوانب المكتبة, ولم اجد ما يشد الانتباه سوى مجموعة من كتب الفنون التي توقفت عندها, تصفحتها كتابا كتابا الى ان تركتها, وعبرت عيناي بقية الارفف, وظلت تتجول بلا هدف بين العناوين والاغلفة, الى ان توقفت على غلاف كتاب ضخم بعنوان (ايقونات القرن العشرين) . وتحت العنوان الرئيسي عنوان فرعي يقول: (مئتا رجل وامرأة صنعوا ما يختلف به القرن) . وانجذبت الى الكتاب على الفور, وحملته بين يدى, وظللت اقلب فيه, وقد قررت منذ اللحظة الاولى ان اشتريه واحمله معي رغم حجمه الضخم ووزنه الثقيل بسبب ورقه الصقيل وقطعه الاستثنائي. وكان دافعي الى ذلك جاذبية عنوان الكتاب, ورغبتي الفضولية في معرفة الشخصيات التي اختارها الكتاب, خصوصا بعد ان ظلت المجلات العالمية المشهورة مثل (النيوزويك) و(التيم) لسنتين على الأقل تتحدث عن أهم شخصيات القرن العشرين بعشرات الاساليب. وأعترف ان العنوان شدني باختيار كلمة (ايقونات) , فالكلمة لها ايحاء ديني او روحي على الاقل, سواء في صيغة الجمع (ايقونات) او صيغة المفرد (ايقونة). والكلمة Icon من اصل يوناني شاع في اللغات الاوروبية, كما شاع بالنطق نفسه تقريبا في اللغة العربية. ومعناها الاصلي صورة او تمثال او لوحة, وتستخدم في دوائر الكنيسة الارثوذكسية الشرقية للدلالة على الصور المقدسة, سواء للمسيح او لمريم العذراء او لعموم القديسين والقديسات وما اشبه. ولا أعرف ان كان للأصل اليوناني القديم صلة بمدينة (ايقونية) الواقعة في جنوبي الجزء الاوسط من آسيا الصغرى على الطريق التجاري بين افسس وسوريا. وهي المدينة التي نادى فيها بولس وبرنابا بالانجيل في رحلتهما التبشيرية الاولى, وآمن على ايديهما فيها كثير من اليهود واليونانيين. وعاد اليها القديسان للتبشير اكثر من مرة, مؤكدين دورها الروحي في نشر المسيحية. واذا صح ان هناك صلة اشتقاقية بين كلمة (الايقونة) ومدينة (ايقونية) فإنها صلة تؤكد الدلالات الروحية او الدينية التي اكتسبتها الكلمة في لغتنا العربية, خصوصا عندما نتحدث عن الايقونات المسيحية, او حتى عندما نقرأ عن تقديس الايقونات وما ارتبط بها من تأويلات دينية مسيحية. واتصور ان اختيار عنوان (ايقونات القرن العشرين) للدلالة على الشخصية المؤثرة في هذا القرن, وتأكيدا لدورها الحاسم في صياغة الملامح الفارقة للقرن, لا يتباعد كثيرا عن المعاني الروحية لدلالات كلمة الايقونة, فالعنوان يتحول بالشخصيات التي يتحدث عنها الى علامات لا تخلو رمزيتها من هالة خاصة لا تتوفر في بقية شخصيات القرن. والمؤلفة تؤكد هذا المعنى في المقدمة التي اعدتها للكتاب, خصوصا حين تذكر الصلة الاشتقاقية بين الكلمة الانجليزية (Icon) والكلمة اليونانية (Eikon) مؤكدة معاني الصورة والتمثيل التي تتضمنها الصور الفوتوغرافية للشخصيات المختارة, والتي هي شخصيات تتميز بالرؤية الكاشفة, والكاريزما الشخصية, والثورية, والسيطرة, والقدرة على توجيه الاخرين في مختلف المجالات, وصياغة الانجازات التي تغير المجرى, وخلق التقاليد التي توجد لتبقى بقاء ملامح وجه الشخصية التي تتسم بكل هذه الصفات, ولذلك تحتل صفحة الغلاف صورة عينين فحسب, متكررة ما بين النصف الاعلى للصفحة فوق العنوان (ايقونات) وتحتها, لتؤكد معنى الرمزية في الوجه الذي يغدو ايقونة دالة على القرن. وقد أعدت الكتاب باربارا كادى وهي كاتبة ومحررة وناشرة, بدأت حياتها في الصحافة بكتابة اعمدة للتعقيب على الكتب في جريدة (لوس انجلوس تايمز) . وقد اصدرت عدة منشورات ومجلات, واشرفت على نشر العديد من الاعمال وعملت رئيسا لاتحاد الناشرين الغربيين, وتولى اعداد الصور الفوتوغرافية جان ـ جاك نوديه وهو خبير في إعداد الكتب المصورة, وعمل في مجلة (بارى ماتش) وغيرها من المجلات, ويقيم حاليا في الولايات المتحدة, وقد صدر الكتاب الضخم في الولايات المتحدة سنة 1998 واعيد طبعه سنة 1999 بواسطة دار النشر العالمية (كونمان) التي اصدرت النسخة التي اشتريتها من مدريد. ويبدأ الكتاب بمقدمة تعرض للملامح الاساسية للقرن العشرين, وذلك على نحو يتضمن المهاد الفكري الذي استندت اليه المؤلفة في اختيار الشخصيات, وبالقدر نفسه, يتضمن الاطار المرجعي لعملية تحرير ايقونات هذا القرن الذي تميز بأنه قرن العولمة واتساع دوائر المشاركة الكوكبية, وتذكر المؤلفة ان عملية اختيار الشخصيات استمرت لمدة عامين, واعتمدت على مجلس استشاري ضم مجموعة من الخبراء على مستوى العالم كله. ولم ينحصر في مجال واحد بل امتد الى كل المجالات التي شكلت انجازات القرن العشرين في السياسة, والعلوم, والادب, والرياضة, والفنون, والفلسفة, والاعلام... الخ. وكعادتي في معرفة تفاصيل الاشياء قرأت قائمة المستشارين, بعد ان انفردت بالكتاب الضخم في غرفتي بالفندق, فلم اجد بين الاسماء اسما عربيا واحدا بين اسماء هؤلاء المستشارين. وقلت لنفسي: لا بأس من غياب اسماء العرب بين المستشارين, المهم الشخصيات, واخذت ارقب تتابع الوجوه والمعلومات المكتوبة عنها, وهو تتابع يتحرك حسب الفبائية اسم الاسرة. وكانت البداية جين آدامز, ومحمد علي كلاي, وودي الان, وياسر عرفات, وحنا ارندت, ولويس ارمسترونج, ونيل ارمسترونج, وفريد استير, وتمضى الاسماء لتجمع الممثلة انجريد برجمان والممثل همفري بوجارت, جنبا الى جنب برتولت برخت, وماريا كالاس وآل كابوني وفيدل كاسترو, وجابرييل (كوكو) شانيل, وشارلي شابلن, واجاثا كريستي, ووينستون تشرشل, وماري كوري, والدالاي لاما, وسلفادور دالي, وجيمس دين, وسيمون دي بوفوار, وشارل ديجول, ووالت ديزني, وايزادورا دنكان, وتوماس اديسون, والبرت اينشتين, وسيرجى ايزينين والاسماء السابقة اخترتها من العمود الاول للفهرس الذي يتكون من اربعة اعمدة, يحتوي كل عمود منها على خمسين اسما, تشمل المشتغلات والمشتغلين بالعلم, والفن, والفكر, والسياسة, والاقتصاد, والاجتماع, والصناعة. باختصار كل من رأت المؤلفة في اوجههم او اوجههن ملامح القرن العشرين. لكن ماذا عن الأوجه العربية؟ هناك ياسر عرفات في العمود الاول, وهناك جمال عبدالناصر في العمود الثالث. ولا يوجد بعد ذلك اسم عربي في العمود الثاني او الرابع. وقد راجعت القائمة اكثر من مرة لاعثر على اسم نجيب محفوظ مثلا فلم اجده مع اني وجدت اسم صوفيا لورين ومادونا وماتا هارى. وبحثت مرة اخرى لاجد الاسماء البارزة من الشخصيات المنتسبة الى العالم الثالث فوجدت النتيجة نفسها, وقلت لنفسي: واضح ان المؤلفة تتحدث عن القرن العشرين من وجهة نظر امريكية واضحة, وانها من هذا المنطلق لا تتحدث عن العالم كله, لان العالم كله لا يعنى لها ثقافيا الا ما يرتبط بها, وما تعرفه, وما تتحيز له ثقافتها التي تهيمن عليها نزعة المركزية الاوروبية ـ الامريكية. هذه النزعة التي لاتزال سائدة, للاسف, هي التي جعلت من ايقونات القرن العشرين في الكتاب ايقونات دائرة جغرافية بعينها, لا يجاوزها الكتاب الى غيرها من الدوائر في بقية اقطار العالم, فمعنى العالمية في الكتاب معنى محصور غير عالمي في واقع الامر, ولكن ألم تسأل هذه المؤلفة نفسها السؤال الذي يقول: هل من العدل حقا ان تكون نسبة اسماء العرب الى غيرها من اسماء غير العرب نسبة لا تجاوز نصف في المئة؟ وهل هذه النسبة تمثل الانجاز العربي فعلا في القرن العشرين؟ او تمثل تأثير الشخصيات العربية البارزة في غيرها؟ لا أظن ان المؤلفة طرحت على نفسها هذه الاسئلة او غيرها الذي يشبهها, فالقرن العشرون في كتابها هو قرن المركز الاوروبي الامريكي, والعالم الذي تراه محصورا في هذا المركز الذي لا يجاوزه. اما المتغيرات الجغرافية والديموغرافية والسياسية التي حدثت في هذا القرن, سواء من منظور صعود اقطار العالم الثالث, او كون نصف سكان العالم سنة 2000 من قارة اسيا وحدها, وثمن سكان هذا العالم من افريقيا, الامر الذي يعنى ان اغلبية سكان العالم لا تقع في المركز الاوروبي الامريكي, فكلها متغيرات لا تشغل بال مؤلفة الكتاب الضخم التي لا ترى من العالم سوى الايقونات التي تتحرك بينها, والتي تتصور انها ايقونات الشخصيات التي ليس سواها في التأثير على سكان الكوكب. وتلك نظرة لا تخلو من تعصب, وتنبني على التحيز الثقافي والعرقي, وعلى نزعة استعلاء نرجسية لا ترى سوى صورها المنعكسة على مرايا الذات الغربية المتضخمة, ولا اعرف هل ستظل هذه النظرة باقية في القرن الجديد, ام أنها ستنتهي بانتهاء القرن المنصرم؟ سؤال اجابته في العقود المقبلة, وفي الايقونات التي يمكن ان نقدمها نحن العرب للبشرية, ونضعها في موضع الصدارة على امتداد تعاقب سنوات القرن الحادي والعشرين.