كان ليوسف وهبي مجموعة من (الفتوات) يستخدمهم في تأديب النقاد الذين يهاجمونه أو ينتقدون أعماله المسرحية أو السينمائية, وعندما كنا نقرأ هذا أو نسمع به كنا نغرق في الضحك, لا كراهية في النقاد لا سمح الله, بل لغرابة الموقف. تصور رجلا قال رأيه في مسرحية أو فيلم, وعاد إلى بيته في أمان الله, فإذا به يجد بضعة رجال لا يعرفهم, وبالتأكيد لم يقرأوا له حرفا, ينهالون عليه بالضرب , وربما تركوا له رسالة تقول ان ما حدث هو عقاب من يوسف بك, وربما ظل يجهل طوال عمره الدافع لما حدث. وبالتأكيد كان يوسفي وهبي مغريا للنقاد, فلقد كان مبالغا في الاداء, وأثناء نشاطه الفني لم يكن هناك إنسان لا يقلده, وكانت مسرحياته مليئة بالفواجع حتى كان يقال انه بعد أن ينتهي من قتل الممثلين يلتفت ليقتل المشاهدين, وكان لا يكتفي بالتمثيل, وكان أشهر ممثل لسنوات طويلة, بل كان يضيف إليه الإدارة والإخراج والتأليف أو الاقتباس وأحيانا التأليف الموسيقي, وكان فذا في أسلوب الدعاية الطريفة لم ينافسه فيها سوى أنور وجدي فيما بعد. ولكن هذه العلاقة بين الفنان وناقديه لم تكن هي العلاقة الطبيعية, وربما كان السبب عدم مصداقية النشاط الفني والنقدي في كثير من الأحيان, وفقدان التقليد, فنحن ورثة أجمل بيت و(أفضل) ما قيل في الرثاء أو الهجاء رغم المدارس النقدية الناضجة بدءا من الجرجاني, لكننا نميل إلى اللهو أكثر من الجد. وإذا كان يوسف وهبي وغيره يستحقون ما يقال عنهم في بعض الأحيان, فإن بعض النقاد يثيرون الدهشة, وأقول بعض النقاد لأنه في هذا المجال لا توجد قاعدة تنطبق على الجميع, ولأن تاريخ النقد الأدبي والفني يحفل بأسماء وأعمال لها احترامها. وحتى في أيامنا هذه تجد اسماء قد تبدو محترمة, لأن الاحترام صار في أيامنا (صناعة) في بعض الأحيان. ولقد كتب الصديق أسامة أنور عكاشة يعدد أنواع النقاد, لكنني ألتقط من بين الأنواع التي تحدث عنها نوعا هو (الشتام) . لقد عرفته منذ وقت مبكر, وكنت أعجب بما يكتب, أتعرفون السبب؟ .. ببساطة لأنه يعبر عن ضيقنا من بعض الأعمال. اننا نكره بعض الظواهر, لكننا لا نستطيع أن نقول رأينا فيها بفظاظة لاعتبارات موضوعية أو اجتماعية, ولذلك عندما يقوم صاحبنا (الشتام) بسب هذه الظواهر نحس أنه عبر عن رأينا بلا لياقة. قال لي ناقد آخر كبير لكنه أيضا شتام: يا أخي يكفي أنه يجعلنا نشمت في هؤلاء الناس! ولقد بدا لي الشتام أنه (دون كيشوت) يحمل سيفه ويحارب طواحين الهواء, وأنا معجب بـ (دون كيشوت) وفي رأيي أن الحياة لن تستقيم إلا به, وبدونه سيموت الحلم في التغيير. وكنت أقلق أحيانا مما يقول الشتام إذ كان أكثر مما يجب, أو يسيىء إلى شخص ذي قيمة, وزاد هذا القلق مع الوقت, و بدأت اكتشف أن (دون كيشوت) لا يعيش في وهم محاربة طواحين الهواء بل هو يريد أن يجرح من يقف في طريقه. وصاحبنا رأى سوء حال المبدعين فقرر أن يكون مبدعا. أليس هو الذي أبدى استياءه من ركاكة أعمالهم وسوء صناعتهم وخبل خيالهم, وقرر أن ينقذ الإبداع من المبدعين, ليس فقط عن طريق النقد, بل أيضا عن طريق نماذج إبداعية ستكون بالتأكيد نبراسا يهتدي به المبدعون عبر العصور. وكتب (الشتام) عملا فنيا ذهب به إلى المخرجين, وهلل المخرج ترحيبا بمقدم الناقد اللوذعي إلى عالم الإبداع, وقرأ العمل, وحكى لي فيما بعد أنه مازال يعالج من آثار قراءته, فلقد كان عملا شديد الرداءة. ولم يصدق (الشتام) هذا وكتب يهاجم المخرج, ثم قدم العمل إلى مخرج آخر, وكان المخرج الثاني أذكى من الأول, كما أنه تعلم من رأس الذئب الطائرة, فقرأ العمل, واتصل بصاحبنا يرص له المديح رصا, وصاحبنا يؤمن على قوله (أعرف .. أعرف) . ثم ختم تعليقاته بقوله (اجعلهم يتعلمون) . والمرحلة التالية كان البحث عن جهة إنتاج, وقال المخرج بالطبع ليس في مهاجمة الشتام أن هذه أسهل الحلقات فمعظم جهات الإنتاج تهوى الأعمال الرديئة. وفعلا بعد ثاني أو ثالث محاولة وجدوا فرصة لإنتاج العمل. وجلس الشتام مع المخرج المقهور ليضعا ما يسمونه (الكاست) أو ليحددا اسماء الممثلين, وقال (الشتام) : لا تستهن بهذا الدور الصغير, انه من أحب الأدوار إلى قلبي, ولذلك فأنا أرى أن نرشح له عمر الشريف. أما صاحب البطل فأنا لا أرضى إلا بعادل إمام, والأم نرشح لها فاتن حمامة, وابنتها نرشح لها يسرا. وظل صاحبنا يتكلم والمخرج المقهور ينظر له مذهولا. وأخذ (الريجيسير) اسماء الممثلين ليتصل بهم, ولم يفعل, فكيف يتصل بهؤلاء الكبار, وغضب صاحبنا غضبا شديدا, وقرر عقاب هؤلاء الممثلين وترشيح من هم أفضل منهم. بدلا من عمر الشريف حافظ الأكتع, وبدلا من عادل إمام الفنان أحمد فجلة, وبدلا من فاتن حمامة الخالة حمدية... الخ. وفي أول (بروفة) سقط قلب المخرج وهو يتأمل الممثلين الذين سيؤدون الأدوار, ومال على صاحبنا وهمس له بأنه يخشى على مستوى العمل الفني من هؤلاء الناس, وبدلا من أن يرد صاحبنا همس, انتفض واقفا وصرخ فيه بأنه يدير الآن فنانين عباقرة (يا أخي تأمل هذه التجاعيد العبقرية على وجه حافظ الأكتع, ثم هذه التأتأة من أحمد فجلة, هذا هو التمثيل الطبيعي, أما حمدية يا أستاذ والحديث مازال موجها إلى المخرج فهي انجريد برجمان العربية. وآثر المخرج السلامة, وآثرها مرة أخرى أثناء تنفيذ العمل فلقد تدخل صاحبنا في كل كبيرة وصغيرة, وعندما انتهى العمل كان الجميع حتى المخرج أدركوا هول ما فعلوا. وجهز صاحبنا عدة مقالات يهاجم بها الإعلام من الوزير إلى الحارس الذي يقف على الباب, لكن المسئول كان أذكى من صاحبه فعرض العمل, وانتظر صاحبنا إلى جوار التليفون ليتلقى التهاني, لكن التليفون كان في صمت الموتى, رفع السماعة عدة مرات ليتأكد من أن الحرارة موجودة . عزا عدم الاتصال إلى تأخر الوقت, فاستيقظ مبكرا, وتزين, ونزل إلى الشوارع والمقاهي ودور الصحافة, لعله يجد من يحدثه عن عمله اللامع, ولكن الناس أصابهم الخرس كما لو كانوا في قصة من قصص ألف ليلة وليلة, واضطر في النهاية أن يسأل, قال أحدهم ان ابنته كانت حرارتها عالية, وقال آخر ان زوج خالته توفي, وقال ثالث انه كان مسافرا, وقال رابع لم يعرف الموعد .. الخ. وقال صاحبنا (طظ) المهم الزملاء النقاد, وبدأ يعيش في الجرائد والمجلات والدوريات والنشرات, وبعد ثلاثة أشهر أو أربعة اكتشف أن الزملاء أحسوا بالغيرة لجمعه بين الإبداع والنقد, لكن هذا لم يرحه كثيرا, فكان أكثر عصبية من قبل, وهذا ما جعله يزداد شتما في الآخرين. طبعا ليس كل النقاد مثل (الشتام) , طبعا هناك أصناف أخرى عددها أسامة أنور عكاشة, وهو الذي تعرض هذا العام لحملة من كل هذه الأنواع, كما لو كان بينهم وبينه ثأر. وبدلا من أن يتحدثوا عن عمله ولو بالسلب انهالوا عليه بالسكاكين في عدوان غير مفهوم. واصبحت أشك أن ما عندنا ليس هو حس النقد بل حس العدوان. كنت جالسا مع نحو خمسة عشر أو أكثر من أنضج المثقفين, وجاء ذكر أحمد زويل, أخذوا يمتدحونه, ويتحدثون عن انجازه العظيم, وقال أحدهم برقة: ولكن ألا تلاحظون أنه استعراضي بعض الشيء؟ . ووافقه أحدهم ثم آخر, وبدأوا يتحدثون في الاتجاه الآخر, ولم تمر عشر دقائق حتى كان أحمد زويل عالما من الدرجة الثالثة وأنه صنيعة المخابرات الأمريكية والصهيونية, وانقلب المديح الشديد إلى هجوم شديد. ومرة أخرى أقول انه ليس كل النقاد شتامين مثل صاحبي, وليس كلهم يستحقون (فتوات) يوسف وهبي, وهذه الملاحظة والله ليست اتقاءً لشرهم, بل هي ملاحظة صحيحة.