مثل الفن الراقي والابداع الجميل والابتكار الأدبي المتقن كمثل عبير المسك ينتقل شذاه من بقعة إلى أخرى, أو كمثل الحداء الرائق يتناهى إيقاعه وئيدا, جميلا عبر الحدود والمسافات. هكذا كان الأثر الذي خلفته حكاية (أم كلثوم) التي رواها المسلسل المتلفز الذي شد انتباه المشاهدين في وطن العرب وفي خارجه عبر أيام رمضان الذي ودعناه . لقد جاءت حكاية أم كلثوم لتعيد إلى وجدان كاتب السطور قراءاته الباكرة في شرخ التكوين وميعة الصبا عن شاعر من مخضرمي ا لقرنين التاسع عشر و العشرين (تصور أن القرن العشرين أصبح يحمل صفة القرن الماضي).. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والأكرام. نعم ذكرتنا أم كلثوم بالشيخ محمد عبد المطلب ولأنه يحمل هذا اللقب الجليل فهو بداهة ليس المطرب الشعبي عريق الصيت صاحب الطربوش وزهور الاقحوان في عروة الجاكيتة وموال (غدار يا زمن) فلم يكن المطرب الفنان يحمل ألقابا من قريب أو بعيد اللهم إلا كنية (أبو نور) التي كان يدعوه بها خلصاؤه ناهيك عن لقب (طلب) (بكسر الطاء واللام) الذي طالما ناداه به الكثرة الكاثرة من جماهير السميعة المعجبين. الشيخ محمد عبد المطلب كان من أعلام الشعر والأدب والدرس العلمي في قاهرة الثلث الأول من القرن العشرين الماضي و اخد بالك ؟! ومن عجب أنه كان شغوفا بلقب الشاعر البدوي.. كيف لا وقد عمد عبد المطلب إلى أن يقرن نفسه بسلوك وعوائد بدو الصحراء العربية وقد انحدر من بيئة جهينية في جرجا من صعيد مصر ا لأعلى وتخرج مدرسا في الأزهر من بعده أستاذا في كلية دار العلوم وله ـ كما يقول الزركلي في موسوعة الأعلام ـ كتب وبحوث في تاريخ أدب اللغة العربية وفي أعجاز القرآن إضافة إلى دراسة في التاريخ العربي الاسلامي بعنوان (كتاب الجولتين في أدب الدولتين : الأموية والعباسية) . ومن عجب أن هذا الأزهري البدوي أو المتبدي الآخذ بنهج البدواة شمر يوما عن ساعد الكتابة الأدبية, لا في مجال الشعر وكان كما ألمحنا في طليعة مبدعيه ولكن في مجال الرواية فكتب روايتين الأولى بعنوان (الزباء) والثانية بعنوان (ليلى العفيفة) , وإذا كان الزركلي ـ رحمه الله ـ قد ذكر أن الروايتين لاتزالان مخطوطتين, فأننا نظن أنهما بانتظار أن يكشف عنهما درسا وتحليلا باحث شاب يقدم رسالته الأكاديمية يوما عن واحد من كبار شعراء العربية في القرن العشرين. ولقد نشأ الشيخ عبد المطلب في بيت مفعم بروح العروبة الأصيلة الصافية كما تناهت إلى صعيد مصر من بادية الجزيرة العربية وتجلت أصالتها في قبيلة جهينة التي استوطنت صعيد مصر الجواني كما يسمونه.. وامتزجت هذه الأصالة العربية بعبق القرآن الكريم حفظا ودرسا وتلاوة وبروح الصوفية ثم بالحرص الشديد على الزود عن كيان العروبة والإسلام. حتى أن مترجم سيرته الأستاذ أحمد السكندري كتب في مقدمة ديوان عبد المطلب يقول انه كان شديد العصبية لسلف هذه الأمة وقوادها وعلمائها وشعرائها ومؤلفيها.. بل ان الأستاذ العقاد يصف الشعر عند الأستاذ عبد المطلب يقول انه كان مسألة لغة بدوية عربية لا تتم على أكملها وأرقها إلا في أسلوب كأسلوب الشعراء الجاهليين والمخضرمين (الذين جمعوا بين معاصرة الجاهلية وصدر الإسلام). وها هو العقاد في كتابه عن شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي يسوق شعر الشيخ عبد المطلب أبياتا من قبيل: يا دار حياك الغمام فسلمي وهمت عليك يد المكارم فأسلمي ولم يقل لنا العقاد أن مثل هذا المفتتح الشعري يردد أصداء استهلال عنترة العبسي في معلقته الشهيرة يقول: يا دار عبلة بالجواء تكلمي وعمي مساء دار عبلة واسلمي ثم يعود العقاد فيسوق من شعر عبد المطلب المكتوب في مطالع القرن العشرين أبياتا من قبيل : ظلال الغضا لو عاد فيك مقيلي نقعت بأنفاس الرياض غليلي ولو أن أيام الأراك رجعن لي نعمت بعيش في الأراك ظليل ترى ما العلاقة بين الشيخ محمد عبد المطلب الشاعر المتبدي كما أسميناه وكما وصفه أيضا الأستاذ العقاد وبين أم كلثوم؟ العلاقة ببساطة هي أن الشاعر الكبير عالم الأزهر وأستاذ دار العلوم كان في السابعة والخمسين من العمر شيخا جليلا ورمزا موقرا من رموز الشعر والأدب والمجتمع في مصر العشرينات, كان من المعجبين بالفتاة من الفلاحة الشابة التي وفدت على القاهرة من طماي الزهايرة في شرق الدلتا.. ترتدي العباءة والعقال. وربما كان في هذا بحد ذاته ما شد الأستاذ عبد المطلب إلى سماعها وغشيان مجالسها وكأنها تحمل بين أعطافها أريج البادية وعبق العروبة, وكان أسمها أم كلثوم إبراهيم البلتاجي. كان ذلك على وجه التحديد عام 1928.. يومها غنت أم كلثوم قصيدة من تأليف ابن النبيه, وكان شاعرا رقيقا من شعراء العصر الأيوبي في مصر. كانت أم كلثوم قد سبقت إلى غناء قصيدة بعنوان: (وحقك أنت المنى والطلب وأنت المراد وأنت الأرب) .. وافتتحت بأدائها عهدا جديدا في غناء القصيدة العربية كما يقول أستاذنا الناقد الأديب كمال النجمي. وكفل أداء القصائد لصوت المطربة الصاعدة مرانا ومراسا وتدريبا من نوع خاص حيث كان صوتها ينطلق كما يضيف النجمي على امتداد مقاماته الكثيرة وعبر التشدد (بمعنى الالتزام والتدقيق) في دقة الأداء تخفيفا لعنصر أساسي يتمثل في قوة الأسر أي متانة بناء الأداء نبرة فوق نبرة. في الحفلة التي شهدها الأستاذ عبد المطلب غنت أم كلثوم باقتدار عجيب قصيدة ابن النبيه التي يقول فيها: أفديه أن حفظ الهوى أو ضيعا ملك الفؤاد, فما عسى أن أصنعا من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه حلوا, فقد جهل المحبة وأدعى هل في فؤادك رحمة لمتيم ضمت جوانحه فؤادا موجعا ولله در البا حث العراقي الأستاذ عبد الكريم الجوادي (في كتابه عن أم كلثوم) إذا شرح لنا تلاعب الشاعر بلفظي الظلم, فهو بالضم يفيد بداهة الجود والحين, وهو بفتح الظاء يفيد الريق يمضي القبلة أو هي شهد الرضاب, كما غنت أم كلثوم من شعر رامي في رباعيات الخيام. ثم كان من أ فضال الأستاذ الجوادي أيضا أن أضاء لنا سيرة ابن النبيه الملقب بالمصري الذي كانت و فاته في مدينة نصيبين من أعمال الشام عن 60 عاما وكان ذلك في نحو سنة 1250 للميلاد. غنت أم كلثوم القصيدة واستمع الشيخ محمد عبد المطلب في ليلة أنس طيبة متضوعة بعبير من الشعر وجمال اللحن الكلاسيكي الذي وضعه أبو العلا محمد أستاذ أم كلثوم وراعيها الأول, وقد اختار للحن مقام البياتي الجليل الرصين ولم يكتف الشيخ عبد المطلب بمجرد تذوق حلاوة اللحن والأداء, بل جاشت قريحته الشعرية فكان أن كتب قصيدة يعارض بها ابن النبيه من ناحية, ويصف فيها روعة فن أم كلثوم من ناحية أخرى, تلك هي القصيدة التي جاء المسلسل ليزيح عنها غبار السنين ويجلو ذاكرتنا التي وهنت على مر الأيام.. قال الشاعر محمد عبد المطلب يصف أم كلثوم عامدا إلى تضمين أبياته شذرات من ابن النبيه: أنشدت ( ملك الفؤاد) سمعت من تلقاء قلبك (ما عسى أن أصنعا) أو رجعت (هل في فؤادك رحمة المتيم) خلت النجوم لها قوائم خشعا