لا تتكلم في السياسة هكذا يبادرك محدثك ناصحا محبا مخلصا أمينا, او بغية اسكاتك اذا ما بدا في الافق ان النقاش يسير في غير صالحه, وان الغلبة ستكون لك, ولم تسعفه الحجة, وتخلى عنه المنطق فلم يستطع تسجيل انتصار عليك في ساحة الحوار, ولذلك فقد شاعت العبارة وغدا استخدامها متاحا للجميع في مواقع الجد حينا وفي مواقع الدعابة والمزاح احيانا . ورغم ان لكلمة (السياسة) وقعا ومدلولا محفوفا بالمخاطر في اذهان الناس وعقولهم الباطنة والظاهرة إلا ان السياسة تظل مع ذلك ساحة مستباحة لادعياء الفلسفة ومحبي التنظير وهواة استعراض مهارات الكلام والجدل من جميع فئات المجتمع بغض النظر عن مستوياتها الثقافية والاجتماعية والعلمية, يستوي في ذلك العامل البسيط الذي لم ينل حظا من الدراسة والتعليم, والانسان العادي الذي توقف قطار الدراسة به عند محطة الابتدائية او الاعدادية على احسن الفروض, وخريج الجامعة, وحامل شهادة الدكتوراه من أعرق الجامعات, فهؤلاء جميعا على استعداد تام للخوض في مواضيع سياسية تبدأ من انقلاب يقوم به عسكري برتبة عريف في دولة افريقية يرد اسمها للمرة الاولى في نشرات الاخبار وتبحث في اطالس العالم فلا تجد لها موقعا على خريطة القارة السوداء ولا تنتهي عند اتفاقية الجات والنظام العالمي الجديد اذ يظلون مستنفرين لاصطياد كل شاردة وواردة في هذا العالم العجيب. ولقد ظللت ردحا من الزمن أتهيب الاقتراب من الحديث في موضوعات تحيط بها شبهة ألمت الى السياسة بصلة ليس خوفا من عواقب الاقدام على امر كهذا فحسب, وانما تحسبا من الدخول في حقول الغام لا يعرف المرء كيف يخرج منها بأمان, وخشية الايغال في صحراء من الرمال المتحركة ليس الى النجاة من الغوص في اعماقها من سبيل. هذا مع الجهل بدهاليز السياسة وشعابها, فكيف اذا تيسر للمرء ان يطلع على كتاب (الامير) للايطالي مكيافيللي, ذلك السفر الذي اعتبر اشهر ما ألف في الامارة او فن الحكم والسياسة, وظل حيا حتى اليوم كما هو منذ كتب قبل ما يقرب من الخمسمئة عام كاشفا مجموعة من الحقائق والقواعد الفاسدة في الحكم وتكريس الاستبداد, حتى اعتبر اول معالجة علمية للسياسة كمهارة يمكن اكتسابها بالمران والتدريب اكثر منها ملكة غير قابلة للتعليم. ولقد كان تأثيره عميقا في التاريخ الحديث مسجلا نفسه ضمن الكتابات الاولى التي تحدى بها فلاسفة العصر الحديث تقاليد وافكار العصور القديمة والوسطى حتى شاعت منه تلك العبارة الشهيرة (ان الغاية تبرر الوسيلة) وغدت مبدأ مكيافيلليا معروفا. ورغم ان حقائق كثيرة تظل في وجدان الانسان وعقله من المسلمات التي نادرا ما يفكر في التخلي عنها او حتى مجرد اعادة النظر فيها, ومنها هذه الفكرة التي تكرست لدي عن السياسة إلا ان حدثا ما أو خبرا تطلع عليه قد يجعلك تشعر بصدمة من نوع ما تزعزع هذه الفكرة لديك وتضطرك لاعادة النظر في كل افكارك القديم منها والحديث, وهذا ما حدث لي عندما قرأت قبل أيام ان (لوثار فوسلر) الاخ غير الشقيق للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر بدأ مؤخرا في تقييم اداء اخيه في عمود تنشره صحيفة (اكسبريس) الالمانية بكولونيا قائلا ان اداءه قد تحسن في الآونة الاخيرة, وكان يرى في السابق ان اداءه كان سيئا. ولعلكم تتساءلون عن وجه الغرابة في ذلك وموقعها, فرئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي استطاع ان يقصي (هيلموت كول) رئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي العتيد عن منصب المستشارية الذي تربع عليه ردحا طويلا من الزمن لابد ان يكون اخوه ـ وان لم يكن شقيقا ـ من دهاة الساسة ومنظريها, وربما كان احد اساتذة العلوم السياسية في احدى الجامعات الالمانية الكبرى, فأقول انه لو كان الامر كذلك لما كان هناك داع اصلا لطرق هذا الباب أو اضاعة الوقت في حديث كهذا, غير ان السيد (لوثار فوسلر) الذي يصغر اخاه (شرويدر) بثلاثة اعوام ما هو إلا عامل مجار حصل على هذه الوظيفة مؤخرا بعد ان ظل عاطلا دون عمل لمدة اربع سنوات, كان يتلقى خلالها اعانة الحكومة للعاطلين عن العمل من أمثاله, أما الاغرب من ذلك فهو ان (فوسلر) يقول انه لن يبدل وظيفته هذه بوظيفة اخيه المستشار, فيما لو عرض عليه ذلك, مؤكدا انه سعيد بحياته العادية, وانه يفضل تنظيف المجاري في بلدة (ريتمولد) غربي البلاد على ان يعمل بالسياسة في برلين كما يفعل اخوه غير الشقيق. وقال فوسلر انه عندما يفكر في الاعباء الثقيلة الملقاة على كاهل اخيه شرويدر, وفي الرحلات الخارجية التي يتطلب منصبه القيام بها يقول لنفسه ان مثل هذه المهام لاتناسبه, ويؤكد انه لا يتطلع الى تولي مثل هذه المسئولية, ولعل في الاسباب التي يوردها فوسلر لرفض وظيفة اخيه تبسيطا شديدا يناسب الوظيفة التي يشغلها حاليا, اذا لو تعمق في صميم المشاكل التي يعانيها اخوه في تأدية عمله والصراعات التي يخوضها داخل حزبه, والتي يأتي على رأسها عدم ضمان تأييد كل زملائه في الحزب لسياساته الاقتصادية وتخطيط الاعضاء الدائمين لاقصائه عن منصبه للتقليل من خسائرهم وتعيين وزير الدفاع رودلف شاربنخ بدلا منه, اقول لو علم فوسلر بكل هذه المشاكل لفضل وظيفة ادنى من وظيفته الحالية او البقاء عاطلا على خوض غمار السياسة التي اصبح من محلليها البارعين. ورغم هموم السياسة التي نتحدث عنها والمخاطر المحيطة بالعاملين بها إلا انها تظل محط انظار اناس كثيرين تبهرهم اضواؤها غير عابئين بالمشاكل التي تخيف امثالنا من الاقتراب من مجرد الحديث عنها, فاذا ما ذهب بنا الاعتقاد الى ان للعائد المادي دخلا بالموضوع واعتبرناه عاملا من عوامل الجذب والاغراء وجدنا مجالات اخرى اقل خطرا واكثر اغراء وعائدا ماديا, فلاعب كرة قدم مثلا كالفرنسي زين الدين زيدان يبلغ دخله السنوي مليونين ونصف المليون فرنك, ولا تسل عن دخول لاعبي البرازيل كريفالدو الذي عرض فيه نادي لاتسيو الايطالي 63 مليون دولار لشرائه من نادي برشلونة الاسباني, او الهولندي سيدروف الذي اشتراه نادي انترميلانو الايطالي من ريال مدريد مقابل 20,9 مليون دولار, كما ان ممثلة كجوليا روبرتس تتقاضى عن الفيلم الواحد 25 مليون دولار, وممثلا كليوناردو دي كابريو يتقاضى 21 مليون دولار عن الفيلم, بينما يبلغ الراتب السنوي لرئيس اكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة 200 الف دولار مصحوبة بسيل من الفضائح السياسية وغير السياسية تحاصره من كل جانب. وحتى لا يعتقد البعض ان السياسة صناعة غربية صرفة نقول ان للعرب فيها باعا طويلة, وفي التاريخ شواهد لا تخفى من الساسة العرب الذين يضرب بهم المثل في الحنكة والدهاء من اشهرهم دهاة العرب الاربعة عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن ابيه ومعاوية بن ابي سفيان, كما ان مكيافيللي نفسه كان متأثرا بالفكر الشرقي وذلك عبر تجار البندقية الامارة الاكثر احتكاكا بالبلاد العربية والاسلامية آنذاك, غير ان الفرق بين معاوية ومكيافيللي هو ذلك الفرق نفسه بين فكر الغرب وفكر المسلمين, ففي حين يصل مكيافيللي في كتابه الى ان الامير النموذجي هو امير ماكر مخادع يتعامل معاوية مع الامر بطريقة اخرى نسميها نحن حكمة وحلما, فيقول قولته المشهورة (لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت) قالوا له: كيف يا أمير المؤمنين؟ قال: (اذا شدوا ارخيتها, واذا ارخوا شددتها) . اما نحن فنقول من باب الاحتراز وسد الابواب التي تأتي منها الريح انه لو كان بيننا وبين السياسة تلك الشعرة لقطعناها منذ امد بعيد وكفانا وكفى الله المؤمنين شر السياسة والقتال.