تمر بعض الاخبار من بين جوانبنا احياناً مرور الكرام, فلا نستوقفها لنرى ما تحت عباءتها او نمررها تحت أقبية الوعي لنعرف على ماذا تحتوي والى أين تتجه, الا ان هناك من يحلل ويستوقف ويستنتج ويتواصل مع أهمية الخبر وتوقيته والهدف منه.. فيقف عند تفاصيله الدقيقة رابطاً تلك المعلومة القديمة بما تحمله التفصيلة الجديدة وهكذا حتى يجد نفسه وقد نسج سجادة جميلة من الحقائق والمعلومات والتفاصيل الغائبة والحاضرة وجعلها في متناول الجميع. ولأنني لست من هذا الفريق الدؤوب, ولا أعرف لعبة التقاط التفاصيل وربطها وجمع قطع الفسيفساء المتناثرة هنا وهناك وتكوينها, ورغم عشقي لهذه اللعبة الجميلة التي لا أجيدها وهذا اعتراف مطلق مني بالقصور, الا انني وجدت نفسي مدفوعاً لاقتحام هذه التجربة ومحاولة استكشاف الوجوه الغائبة, ولهذا أبدأ من اسبانيا ولا أنتهي, فعندما يتحدث العربي أياً كان عن الأندلس فإن صور ماضي العرب هناك تتدفق في مخيلته ليرتجف واقفاً, فتلك الفترة تعد من اجمل ما ترك العرب في تاريخهم.. وحتى لا استطرد كثيراً أقف عند اخبار متناثرة هنا وهناك تشير جميعها الى عودة اسبانية مختلفة لما أسسه وتركه العرب من فن وثقافة وابداع فكري وحضاري وتحول في الفكر الاسباني الى كل ماهو عربي. ومؤخراً اثارت تصريحات ومقابلات صحافية لفنانين وأدباء ومثقفين اسبان ردود فعل متباينة حول أهمية فهم الفتح العربي لاسبانيا التي ظلت منذ سقوط غرناطة في العام 1492 تعادي كل ما هو عربي في ثقافتها وحياتها الاجتماعية. قبل يومين طيرت وكالات الانباء العالمية خبراً من اسبانيا وبالذات من قرطبة يشير الى ان شركة مدينة الخلافة خصصت مبلغاً وقدره ثلاثة ملايين دولار لانشاء حمامات على طراز حمامات عصر خلفاء الاندلس في اربعة بيوت عربية قديمة تم اصلاحها وتأهيلها لهذا الغرض بمدينة قرطبة. وستقسم الحمامات التي لن يدخل فيها اي عنصر تصنيعي حديث الى منطقة للاستحمام واخرى للتدليك وثالثة سيتم فيها انشاء مقهى ومطعم... والخبر الذي يبدو عادياً للكثيرين يحمل في طياته الكثير, فأوروبا التي تدعي الحضارة والتمدن, لم تعرف النظافة والتخطيط الحضري الا من عرب اسبانيا, فها هو فريدريك الثاني يأخذ من العرب كل شيء ويتعلم منهم كيف تدار الحياة المدنية, وعن ذلك تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه (لقد عرف فريدريك كيف يستفيد من الخبرة العربية في ادارة شئون الحياة العامة اذ نظم شرطة مراقبة خاصة لتشرف على الأعمال التجارية وأخرى لتشرف على الشئون الصحية للمواطنين, فأصبح انشاء الحمامات العامة ينظر اليه بنفس الأهمية التي ينظر بها الى انشاء المدارس ودور الكتب, ولهذا كان من الطبيعي ألا ينشىء القيصر اياً من قصوره دون ان يزوده بالحمامات والمياه الجارية, وكان هذا المسلك موضع انتقاد من معاصريه الذين لم يتعودوا تلك الرفاهية والذين اعتبروا الحمام رذيلة, لأنه اهتمام زائد بالجسد. لقد كانت الثقافة الجديدة التي افرزتها الحياة العربية مثار اعجاب لتلك الشعوب التي كانت تعيش في قذارة وأوساخ, ولا تعرف للنظافة مكاناً في قاموسها اليومي. ويعترف احد المثقفين الاسبان بأهمية الثقافة العربية وما حملته رياح التغيير في الجسد الاسباني, فيشير غبريال مارتينز غرو الاستاذ في تاريخ العصور الوسطى والمختص بالأندلس الى ان هناك شيئاً هاماً خلفه الامويون في فن العمارة وفي الحدائق وفي الابداع الفكري والعلمي, فالحدائق التي صممها الاندلسيون تعتبر اجمل حدائق تراها العين الاوروبية, وهذا يعني ان امويي الاندلس ارادوا شيئاً يضاهي وينافس بجماله ما كان لدى الخلفاء العباسيين وذلك في كل شيء, في الادب, الشعر, القواعد, الفن, الزخرفة, الكريستال, الزجاج وبناء مسجد قرطبة. ويرى مارتينز انه بعد سقوط الاندلس, كان هناك اهتمام كبير بالنصوص العربية لان العرب كانوا حاملي علوم لا يملكها الاوروبيون, كما ان العرب ترجموا أعمال فلاسفة اليونان وكان الاهتمام بهذا الامر كبيراً حيث عكف الاسبان على ترجمة تلك العلوم العربية واعدادها من جديد, الامر الذي كلفهم حوالي قرن ونصف القرن الا انه بعد قرن من الزمن اي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر حصل تحول جذري وتبدلت النظرة الى كل ما هو عربي, في البداية لم يكن ينظر الى العرب بأنهم مسلمون بل كان ينظر اليهم بأنهم تلامذة اليونان, اي انهم فلاسفة, وبعد القرن السادس عشر بدأ الناس ينظرون الى كل ما هو عربي بأنه مسلم, وفي تلك الفترة تم حرق الكتب العربية واتلافها وتدميرها, وما تبقى منها هو ارشيف الشرطة الدينية التي كانت تصادر هذه الاعمال كدلائل ليصبح امتلاك كتاب عربي في اسبانيا امراً خطيراً, وقد تم القضاء على كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد العربية كالحمامات واللباس, وتم تحويل مسجد قرطبة الاسطورة المعمارية الى كاتدرائية, فتخرج صرخة من احد ملوك الاسبان تنتقد ما حدث.. (لقد شوهتم شيئاً نادراً لا نراه في اي مكان, وبنيتم اشياء نراها في كل مكان) !. عموماً تظل العودة الاسبانية الى ترميم تلك الحضارة العربية هي عودة الى الوعي بعد ان ظلت قروناً مركونة تناظر بعيونها ولا تستطيع ان تحرك ساكناً, انها دعوة متأخرة لنغني يا ليالي الوصل في الأندلس..