في زمن غابر ابتلي (الطائي) ان اوقعه حظه العاثر يوما ما بطريق الملك النعمان في يوم نحسه.كادت ان تكون نهايته شبيهة بمن صادفهم يوم نحس النعمان, لولا الحظ ـ الذي اختلفت صورته هنا ـ ولولا الوفاء, الذي حول الطائي والنعمان والشخصية الثالثة وهو شريك بن عدي ويوم النحس الى حكاية تاريخية خالدة , في كتب التاريخ وفي عقول الناس الذين مر عليهم التاريخ منذ ذلك اليوم, اليوم الذي وقعت فيه اشهر قصة وفاء في تاريخ العرب: البطل الاول للحكاية وهو الطائي رجل من عامة الشعب, زاد عليهم ان الفاقة اثقلت حملها عليه, فخرج ذات يوم مهموما, لم ينتبه لرزنامة التاريخ ـ لو فعل لغير موعد طلعته ـ في طريقه يبحث عن زاد لاطفاله الجياع, صادف الملك. ياله من طالع, الملك مرة واحدة, لاشك ان حاجته بل واحلامه مقضية في هذا الفأل. لكن الطائي لاحظ ان ملامح الملك منقبضة, وان وجهه مكفهر, وانه عبوس, وتذكر يومي النعمان, يوم البؤس ويوم النعيم. وعرف انه وقع في اليوم المشؤوم. أيقن المواطن الفقير انه مقتول, ولا شفيع له من يوم نحس النعمان, ومع ذلك رجاه متوسلا (ان لي صبية صغارا واهلا جياعا, وقد ارقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم, وقد اقدمني سوء الحظ على الملك في هذا اليوم العبوس, وقد قربت من مقر الصبية وهم على شفا تلف من الطوي, ولن يتفاوت الحال في قتلي بين اول النهار وآخره. وان رأى الملك ان يأذن لي في ان اوصل اليهم هذا القوت, واوصي بهم اهل المرؤة من الحي, لئلا يهلكوا ضياعا, ثم اعود الى الملك واسلم نفسي الى نفاذ امره) . هل رق قلب الملك؟ قد يحدث ذلك, لكن اليوم, يوم النحس ولايمكن لقلب النعمان, ان يتخلى عن كبريائه, في يومه العظيم من اجل هذا الطائي. ورغم ذلك, تحركت مشاعره قليلا, ووافق على العرض مادام سيحقق الهدف في النهاية, ولكن بشرط ان يضمنه احد من الجماعة. تحركت عين الطائي, فوقعت على اقرب ندماء النعمان, شريك بن عدي. معقول ان يطلب الطائى منه ذلك؟ ومعقول ان يوافق شريك على ان تكون نهايته هكذا؟! في مثل ذلك الزمان واولئك الرجال, نعم قد يحدث ذلك. خاطبه الطائي شعرا, وتعهد بالعودة, فوافق شريك على ضمانة رجل لايعرفه. فر الطائي مسرعا, وبدأت شمس النهار تقترب نحو المغيب, والملك يصيح في شريك: ان صدر النهار قد ولى, ولم يرجع وشريك ينتظر, لعله يعود, يفي بالوعد. اقترب المساء, وجاءت لحظة الامر المحسوم, طلب النعمان من شريك ان يتأهب للموت. لاح مقبلا خيال شخص, في تلك اللحظة ولسان حال شريك: ليته هو, ليته يفعل ويعود. وقد فعل. عاد الطائي وقد اشتد عدوه في سيره مسرعا, حتى وقف امام الملك مخاطبا: مر بأمرك, انا جاهز. لحظتها تعلم النعمان اعظم درس, رفع رأسه قائلا (والله ما رأيت اعجب منكما, اما انت ياطائي فما تركت لاحد في الوفاء مقاما يقول فيه. ولا ذكرا يفتخر به. واما انت ياشريك, فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء. فلا اكون انا ألأم الثلاثة. الا واني قد رفعت يوم بؤسي عن الناس, ونقضت عادتي كرامة لوفاء الطائي وكرم شريك) . وكتبها التاريخ, واقعة تحمل عبرة الوفاء والكرم العربي وفي حكاية السموءل, يخلد التاريخ ايضا عبرة مماثلة من صور الوفاء, درسا ضرب به المثل فيما اقدمت عليه هذه الشخصية التاريخية, عندما اودع امرؤ القيس الكندي, دروعه واسلحته عند السموءل وحدث ان مات صاحب الامانة, فأرسل ملك من بني كندة يطلب الدروع من السموءل, فرفض ان يعطيه مجيبه: انه لن يدفعها إلا لمستحقها. فعاود الملك الطلب, وثبت السموءل عند رفضه, مؤكدا (لا اغدر بذمتي, ولا اخون امانتي ولا اترك الوفاء والواجب علي) فرأى ملك كندة ان يحارب هذا الرجل (العنيد) فحاصر جنده حصن السموءل. وصادف ان قبض على ولد السموءل خارج الحصن, فأخذ رهينة وساومه ان سلم الدروع والا قتلت ابنك, كانت لحظة خيار صعبة. لكن السموءل حسم أمره في كل الاحوال (ما كنت لأخفر زمامي وابطل وفائي فأصنع ما شئت) . وشاء الملك ان يذبح ابن السموءل وهو ينظر له من اعلى الحصن. وعاد ملك كندة خائبا, قتل الابن امام والده, لكنه لم يقتل الوفاء وشرف الكلمة. بل حفر اسم السموءل في التاريخ. في هذا الزمان تحدث مثل حكايات الوفاء التي قرأناها في التاريخ, لكنها حكايات تمر سريعا في الذاكرة, قد نتأثر بها لحظة سماعها, لكنها لا تتحول الى حكاية تاريخية خالدة, مع استحقاقها لمثل هذه المكانة. لانه ببساطة لا احد يؤرخ في هذا الزمان لمثل هذه الحكايات (الرومانسية). من الحكايات التي اذكر انني قرأتها قبل اشهر, حادثة بثتها بعض وكالات الانباء, تقول ان امرأة عربية آلمها حال زوجها الضرير, فقررت ان تخفف عليه, وان تعيد بصره وسعادته مهما كلفها الامر, حتى لو كان الثمن ان تقدم له عينها, وقد فعلت تنازلت عن اغلى حاسة يمكن ان يملكها الانسان, من اجل زوجها, دخلت غرفة العمليات, واغلقت عينها للابد, لكي ينظر بها نصفها الآخر, فكانت في قمة السعادة والرضا, عندما افاقت ووجدت انها اعادت نور الحياة لزوجها, ولم تبال ان العمى اصابها, وفاء نادر قابله الزوج, بأن ارسل ورقة الطلاق لها مباشرة, وذهب يبحث عن زوجة جديدة! لماذا؟ لانه لايحتمل العيش مع امرأة عوراء! درس في الوفاء, وفي رد الجميل.. يحدث في مثل هذا الزمان. سعيد حمدان