بعد ان انتهيت من كتابة استراحة الاسبوع الماضي, تذكرت انني قرأت منذ سنوات بعيدة ما كتبه فرح انطون (1874 ـ 1922) في اول شهر يناير سنة 1900 من مجلة (الجامعة) التي كان فرح انطون يصدرها من مدينة الاسكندرية. وقلت لنفسي: لماذا لا ابحث عن هذا العدد في مكتبتي, واسترجع ما كتبه فرح انطون مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الذي انتهى منذ ايام معدودة, ولم يمض وقت طويل حتى كانت مجلدات (الجامعة) تواجهني في موقعها من رفوف مكتبتي في القسم الخاص بالدوريات القديمة, وقد استطعت الحصول على طائفة نفيسة منها بسبب (دار صادر) البيروتية التي اعادت طبع مجموعة من هذه المجلات واتاحت معرفتها للقراء الذين لم يسمعوا عنها, وقد اهداني صديقي واستاذي الدكتور محمد يوسف نجم مجموعة من مجلدات هذه المجلات القديمة على رأسها مجلة (الجامعة) . المهم انني وجدت الجزء الثاني من السنة الاولى لمجلة (الجامعة) التي صدرت في نهاية القرن التاسع عشر, واكملت سنتها الاولى في مطلع القرن العشرين, ولذلك يحمل المجلد تاريخ العامين 1899 ـ 1900 وفي داخل المجلد وجدت العدد العشرين من السنة الاولى لمجلة (الجامعة) وقد صدر في الاسكندرية كما قلت, في اليوم الاول من القرن العشرين الموافق التاسع والعشرين من شعبان سنة 1317هـ وكان عنوان الصفحة الاولى من العدد (والصفحة 457 من المجلد) كالتالي: (القرن العشرون وماذا عمل القرن التاسع عشر) . ويبدأ المقال بكلمات فرح انطون التي تقول ان هذا الجزء من الجامعة يصدر يوم انتهاء القرن التاسع عشر ودخول القرن العشرين, فوداعا ايها القرن الراحل وسلاما ايها القرن المقبل. لقد نزل الاول في مهاوي التاريخ, وطلعت غرة الثاني طلوع مولود جديد على الوجود, فمبارك هذا المولود. ويمضي فرح أنطون قائلا ان عادة قدماء المصريين جرت على انهم عند موت أحد ملوكهم يجتمعون فيتبادلون آراءهم في الساحات العمومية بشأن الملك الراحل عنهم, منتقدين حكمه وأعماله, ذامين منها ما يوجب الذم, ومثنين على ما يوجب الثناء, والقرن التاسع عشر هو الآن منا بمثابة ميت, فليس يخلو من فائدة ان ننظر في أعماله وما تم في عهده من خير وشر, ويحصي فرح أنطون الجوانب الخيرة للقرن التاسع عشر في أربعة مجالات. المجال الأول ينصرف إلى أعمال القرن التاسع عشر السياسية, فهو قرن ولد على لهيب الثورة الفرنسية ومدافع نابليون يدوي صداها في الجهات الأربع, وكان من تأثير هذه الثورة انها وضعت أساس الحرية في العالم, وكانت الشعلة التي أحرقت فرنسا حينا من الزمان. لكنها أنارت الدنيا بأسرها, وإذا لم يكن للقرن التاسع عشر من فضل غير المناداة بالحرية والمساواة للأفراد والشعوب لكفاه ذلك فضلا على القرون الخالية, لكنه لم يناد بذلك فحسب, بل أعطى الأفراد والشعوب قوة توصلهم إلى أغراضهم, ولا شك ان تأثير هذا المجال على الأعمال العلمية للقرن تأثير مذهل, فقد أطلق العقول من القيود وهدم الحواجز القوية التي كانت تحول دون نموها, وكان من نتيجة ذلك ان ازدهر العلم الطبيعي ازدهارا لم يحدث من قبل, وانبثقت فلسفات جديدة, وارتقى التعليم إلى أبعد حد, خصوصا بعد ان وضع مبدأ التعليم الالزامي لخاصة الأمة وعامتها موضع التطبيق والالزام في الوقت نفسه, ويرى فرح انطون ان التعليم الالزامي هو ما يحتل مرتبة الصدارة من انجازات القرن التاسع عشر العلمية والسبب في ذلك ان مجانية التعليم هي الأصل في تحرير العقول ونشأة التقدم. ويضيف فرح أنطون إلى الجانبين السابقين الجانب الثالث الذي يرتبط بالانجازات المعنوية للقرن التاسع عشر, وكان أهم انجاز في تقدير فرح أنطون هو تحرير العبيد وتحريم تجارة الرقيق, وكان ذلك جنبا إلى جنب السعي إلى اقرار السلام ونبذ الحروب, فقد أثبت هذا القرن انه قد مضى في السياسة عهد الافتخار بالحرب وجاء دور الافتخار بالسلام, والسلام هو أساس النهضات وبداية الصعود الوادع للتقدم, الأمر الذي يفضي إلى المجال الرابع والأخير الذي يسميه فرح أنطون أعمال القرن التاسع عشر الاجتماعية, ويشرح ذلك بقوله ان الحركة الكبرى التي غلبت على جميع الحركات في نهاية هذا القرن هي الحركة الاقتصادية التي سببتها الحركة الاجتماعية وجهاد الشعوب في هذه الحياة وتنازعها البقاء وتباريها في حلبة التجارة والصناعة والزراعة. وكان من نتيجة ذلك ان اصبحت الدول لا هم لها الا المسائل الاقتصادية, وهي المسائل التي اقترن بالحاحها استفحال امر الاشتراكيين استفحالا نفع المبادىء الديمقراطية, فيما يقول فرح انطون, وافاد ضعفاء الامم. لقد كانت المجالات السابقة اهم انجازات القرن التاسع عشر الايجابية من وجهة نظر فرح انطون. لكن ماذا عن الوجه الاخر من الصورة؟ مؤكدا ان هناك اوجه الشر ومجالاته, خصوصا ان الشر ينمو بنمو التمدن فيما يقول فرح انطون, والرذائل على انواعها تتكاثر بتكاثر الثروة وتزداد بازدياد اسباب المدنية, فالكذب والرياء والخداع والاضرار بالناس والاحتيال لسلبهم وغشهم ـ كل ذلك اصبح في القرن التاسع عشر امرا شائعا مقبولا. والفجور اصبح مباحا ويكاد يكون شرعيا. والمسكرات تقتل 75% من سكان بعض البلاد.والجرائم تملأ السجون بالاشقياء. والمبادىء الدينية تضعف وتنحل شيئا فشيئا. والشعوب لا تزال تتخطبط في ظلام الجهل وليس لها خبز يغذو ابدانها وتعليم تغذو به عقولها. والحياة اصبحت فرضا في القرن الذي اعطى الناس الحرية ولم يعطها الاخاء والمساواة والمحبة, فتنافرت القلوب واختلفت الاهواء, وقام الناس بعضهم على بعض باسم الحرية والدين, والحرية الحقيقية والدين الصحيح براء منهم ومما يفترون. ويمضى فرح انطون في تعداد مثالب القرن التاسع عشر, لكنه في النهاية يستدرك على نفسه, ويقول: ان ذلك القرن لا يستحق اللوم الشديد اذا كان لم يحل جميع المسائل التي اقدم عليها, والتي ناء بها ورزح تحتها بعد ان حل ما حله منها. وذلك (فأملنا ـ يقول فرح انطون ـ موضوع فيك يا ايها القرن العشرون. كن للانسانية خيرا من اخيك القرن التاسع عشر. لا تسمح ان يحدث فيك ما حدث في اخيك من السيئات. واكمل كل تلك الحسنات. اسحق بفأس العقل والادب والدين جراثيم الشر والفساد والرذيلة التي ظهرت في القرن الماضي اخيك, ومهد للانسانية طريق السعادة التي تنشدها فانها قد تعبت في طلبها دون ان تدركها, حتى اذا اكملت عملك واتمت اجلك, وقف ابناؤنا في ختام ايامك الآتية, وقالوا مؤرخين اعمالك: مبارك القرن التاسع على ما عمل, ومبارك القرن العشرون على ما اكمل. فسر بأمان وسلام يا أيها القرن العشرون) . تلك كانت كلمات فرح انطون التي نشرتها مجلته الجامعة منذ قرون وبضعة ايام بالطبع. ولم أملك بعد ان فرغت من قراءتها, هذه المرة, الا ان اسأل نفسي, هل حقق القرن العشرون أحلام فرح انطون؟ وهل تخلصت الانسانية حقا من الحرب وآمنت بأنه قد مضى في السياسة زمن الهجوم والافتخار بالحرب؟ وهل تناقصت الجرائم الفردية والجماعية؟ وهل عم السلام بالفعل؟ وطبقت البشرية تطبيقا عادلا مبادىء الحرية والمساواة والاخاء والعدل الاجتماعي؟ هل سحق القرن العشرون, حقا, بفأس العقل والادب والدين, جراثيم الشر والفساد والرذيلة التي ظهرت في القرن التاسع عشر؟ لا اظن ان الاجابة ستكون بالايجاب, فقد خسرت الانسانية في هذا القرن مئات الملايين من ابنائها في الحروب العالمية والاقليمية, واخترعت من اسلحة الدمار ما رأينا مثالا صغيرا له في هيروشيما ونجازاكي, وتحول شكل الاستغلال الاستعماري ما بين اقنعة الاستعمار القديم والاستعمار الجديد ليرتدي قبعة العولمة الصاعدة في هذه الايام, ولا تزال اقطار بأكملها تعاني من الجوع بالقدر الذي تعاني به اقطار اخرى من التخمة والبشم, واختفى الاستقطاب القديم ليحل محله امبراطور عالم جديد يحتكر اسباب العلم واسرار التقدم كما تحتكر شركاته المتعددة والمتعدية الجنسية اقتصاد الكوكب الارضي. باختصار, سمح القرن العشرون ان يحدث فيه افظع مما حدث في أخيه القرن التاسع عشر من السيئات. لكن يحمد له انه حاول تعويض جرائمه المخيفة والتكفير عن آثامه البشعة بانجازات باهرة, تشفع له اذا وزنت أعمال الشر بأعمال الخير, فهو القرن الذي حقق من كشوف العلم واختراعاته وانتصاراته مالم يخطر على بال بشر من قبل, واطلع شمس التحرر الوطني الى ان سطعت على الناس جميعا, وفتح أجواز الفضاء الكوني امام الانسان مختزلا المسافات والابعاد على النحو الذي احال كوكبنا الارضي كله الى قرية كونية صغيرة بالفعل. ولذلك فاننا لا نستطيع ان نودع القرن العشرين حانقين عليه تماما, او فرحين به كل الفرح, فالحسنات من أعماله يذهبن السيئات من فعاله, ولا نملك سوى ان نودعه بالأمل نفسه الذي انطوى عليه فرح انطون منذ قرن من الزمان, ونقول في مطلع القرن الحادي والعشرين ما سبق ان قاله فرح انطون في مطلع القرن العشرين: ان أملنا الآن موضوع فيك أيها القرن الحادي والعشرون, فكن للانسانية خيرا من اخيك الذي مضى, ولا تسمح ان يحدث فيك ما حدث فيه من السيئات, واكمل المحاسن, ,ومهد طريق السعادة التي تعبنا في طلبها دون ان ندركها, وحقق احلامنا في ان يأتي من بعدنا مع مطلع القرن الثاني والعشرين من يقرأ كلماتنا كما قرأنا كلمات فرح انطون في مطلع القرن العشرين. فيقول لك, ايها القرن المقبل بالوعد, بعد ان تكون قد أتممت اجلك, واكملت عملك, ووفيت بوعدك, مبارك القرن الحادي والعشرون على ما اكمل واحسن, وعلى ما ترك للبشرية من سلام وامان, وما منحها من حرية ومساواة وعدل واخاء وتقدم.