لبنان, كان البلد الذي تعرفت فيه على الفقيد سلطان العويس, كان ذلك في بداية السبعينيات, ففي يوم ربيعي, مشرق, تهب نسائمه عليلة, حاملة أريج الشقائق وعبير الورد, ذهبت بصحبة الصديق عبدالعزيز العويس الى بلدة بحمدون, المصيف اللبناني المعروف, وفي منزله الكائن بذات البلدة, التقيت به, شخص نحيل الجسم , يجلس القرفصاء, وبيده سيجارة, وللوهلة الاولى, لم يدر في خلدي, أن الماثل أمامي هو سلطان العويس, ذو الصيت التجاري, والثروة الطائلة, والشاعر المعروف, ولولا عبدالعزيز العويس, ابن أخت الفقيد, لما اقتنعت ان سلطان, سيكون على هذه الهيئة البسيطة, وهو الرجل الثري, القادر على اقتناء ما يريد ويرغب, من ثياب وحلي..الخ. وبعد معايشة وزمالة, قدر لها ان تتجاوز العقدين من الزمن, تعرفت خلالها عليه حق المعرفة, سبرت أغوار نفسه عن قرب, وتغلغلت في أعماقه, لاكتشاف جوهره, فإذا به من أنصع الجواهر وأنفسها, وقلبه من أكبر القلوب وأصفاها, وعقله من أروع العقول وأنضجها, ولكنه بالرغم من كل هذه المؤهلات العظيمة, بقي بسيطاً متواضعاً, الى ابعد الحدود, زاهداً في كل شيء, وخاصة المأكل والملبس, أما الأدب بشطريه المنظوم والمنثور, كان همه الاول, محب لأهله ماد يد العون اليهم, كرس ذلك الحب, في الجائزتين المعروفتين باسمه. وغالباً ما كان ـ رحمه الله ـ ينفرد بنفسه بين الفينة والاخرى, حيث يلتقي فيها بالخيال, يشحذه قصيدة, ويخطب اليه عروس شعر, او يجثو أمامه, مبتهلاً, طالباً صورة من صور الجمال, يحلي بها بيتاً من القريض, وهو الى جانب ذلك, يألف الفن بأشكاله المتعددة, وألوانه المتباينة, يشده الوتر الحساس والصوت الرخيم, بقدر ما يأسره الوجه الصبيح, يتعشق الجمال أنى وجد, في الانسان والطبيعة. فكان الغزل هاجسه الأكبر, وضالته الاولى, يتناوله بتأن وروية, وبشفافية ترق احياناً الى حد الذوبان! هو علم من أعلام هذا الوطن, وابن بار من أبنائه, ظل كذلك, حتى آخر يوم في حياته, وقد كان سفيراً لامعاً للوطن, استطاع ان يبلغ الرسالة المنوطة به على احسن وجه وأكمله, لقد كانت أوراق اعتماده, غير تلك التي نعرفها .. كانت أعمالاً خيرية, وهبات متواصلة, كانت مدارس ومعاهد, تدرب النشء العربي, لتجعل منه قوة صالحة قادرة على حمل المسئولية, وتحمل المهمة, في مستقبل لا محل فيه, الا للقابض بزمام العلم والمعرفة. لكن سلطان لم يكتف بأوراق الاعتماد هذه, فأصر ان يتوجها بعطاء شعري ثر, مهد له دخول المحافل الأدبية, من أوسع أبوابها. انه الفقيد الحقيقي, الذي افتقده الخير, وثكله الفضل, وخسره الأدب, فمن حقه علينا اليوم, نحن معشر الذين عرفناه عن كثب, ان نؤبنه التأبين اللائق بمكانته, وذلك أضعف الايمان. رَحَلْتَ وظلَّ الرُّوحُ يَشمخُ عالياً وظلّتْ سَواقي الخَيرِ تُعيي السّواقيا رَحَلْتَ مُقيماً بيْـننا يا أَخَ النّدى فضائل تتْلُوها العُلا ومَعَانِياَ ومِثلكُ يا سُلطانُ لا يَفْن رُوْحُهُ ولو جسْمُهُ أمسى لدَى الّلحْدِ ثاوِيا لِأنّك طاوَلْتَ الخُلُودَ بِشِرْعَةٍ مِنَ البِـرِّ سَرّتْ كُلَّ مُكْدٍ وعافِيا ولم يقتَصِـرْ غَيْثٌ أَرَدْتَ شُيوعَهُ على الأهْلِ, بل أَسْقى قريباً ونائيا هو الجُودُ في كَفِّ الجَوَادِ رَوَاجِبُ عدا الموتِ لن تَلْقى لها الدَّهْرَ ماحَيا عرفناكَ تشْتاقُ القوافي مُحلِّقاً بعيداً, بها جِزْت النُّجومَ السّواريا وشيَّدْت للإبْداع والفِكرِ مُلْتقى هو الصَّرْحُ لا يَنْفَكُّ يَشْمَخُ عالِيا إلَيهِ تَرَى أهْلَ الفُنُون تقاطَروا لورْدِ قَرَاحٍ ظلَّ للفكر راويا عرفناكَ يا سُلطانُ رمْزَ محبَّةٍ بها قد فَنَيْتَ العُمرَ صَبّاً مُناديا وللوطن الغالي عرفناك عاشقاً لهُ سخَّرَتْ يُمْناكَ ما كان غاليا حَنُوناً على الأهْلِ الكِرامِ تؤمُّهُمْ إلى كلِّ ما يُمْسي به الذّكرُ ساميا عَرفْناك إنساناً عرفْناكَ مُؤْنساً عرفْناك أوفى النّاسِ لِلأُنْس داعيا وما عِشْتَ إلَّا كالنَّسيمِ لَطَافَةً بِنَشْـرٍ زَكيٍّ حَيْثُ ما كُنْتَ جاريا أجبْتَ نِداء الحقِّ راضٍ بِحُكْمِهِ فَنَمْ في رحَابِ اللّهِ سُلْطانُ هانيَا