قررت انهم لو وضعوا السيف على رأسي لن اكتب عن الالفية الثالثة, بالطبع ليس هذا موقفا من (الآنسة الالفية الثالثة) !!فنحن لم نتعرف بها بعد, وفي الايام القليلة التي عشناها فيها لم يكن الامر مختلفا عن (السيدة الالفية الثانية) ولا حتى الاولى, ولا ندعي اننا نحب الانسة لكننا نقسم اننا لا نكرهها . وقرار مقاطعة الكتابة عن هذا الموضوع سببه ان جميع من يمسك قلما كتب فيه, وقارىء مثلي يقرأ السطور الاولى, وبمجرد ان يجد ان الكاتب يكتب عن الالفية يرفع عينيه عما يقرأ, ويبحث عن شخص آخر, وانا لا أحب ان تفعل ذلك معي, ذلك ليس بسبب الغرور ـ والعياذ بالله ـ بل لانني اريد المحافظة على هذه الفئة الغالية التي تقرأ ما اكتب. ولا تتصور ان هذا القرار كان سهلا ويكفي ما تراه على شاشات الفضائىات, الاحتفالات رغم شهر رمضان, ما يكتبه الاساتذة والزملاء. قلت لنفسي انني لن استجيب لأي اغراء وان (العند) احيانا يكون من الصفات الحميدة. ولكثرة ما قال لي الاخرون: كيف ستحتفل؟ قررت ان اقيم احتفالا بعدم الاحتفال! واذا سألتني: كيف كان ذلك؟ وأظن انك لن تسألني, اقول انني القيت بكل الدعوات من النافذة. دعوة لحضور احتفال تحت سفح الهرم يخرجه مخرج فرنسي. ودعوات الاصدقاء سواء في بيوتهم او في فنادق كبرى. وبعض الدعوات لها فلسفة خاصة, فلقد دعانا احدهم لان نبدأ اليوم الموعود من فوق جبل المقطم, وهي فلسفة لم افهمها حتى الآن. فاذا كانت البداية من (فوق) جبل ألا يخشى صاحبي (السقوط) من فوق هذا الجبل. وآخر دعا زملاء الدراسة. وهي دعوة تهربت منها تماما, فاذا ما التقينا سنسأل عن زملائنا الغائبين, وسنجد ان احدهم رحل عن عالمنا, فنقضي الليلة في حزن, بدلا من الفرح. وكانت نهاية القرن ليلة باردة فتدثرت وجلست أمام التلفزيون وأردت ان أبحث عن أي شيء أشاهده لا يمت للألفيات بصلة, ولكن الريموتات وهي جمع (ريموت) أصبحت في أيدي الأسرة, فانقلبوا إلى احتفالات الألفية, ولم استطع مقاومتهم لأنني دعوتهم منذ سنوات طويلة جدا للاحتفال بنهاية القرن في باريس, وكنت متأكدا انني لن أصل إليه وها أنا قد وصلت إليه, وليس بامكاني تحقيق الوعد القديم. وتقوقعت على المقعد غائصا في الأغطية, أرى ما أراه مرغما, وبالطبع نمت, والضجة حولي, وهو ما لم يحدث لي من قبل. ورأيت فيما يرى النائم امرأة جميلة لكنها ضخمة الجثة وسألتني مباشرة في لوم: لماذا تكرهني؟ سارعت بالاحتجاج: من قال هذا؟ سيدة جميلة مثلك لا يستطيع أحد ان يكرهها, هذا أولا, ثانيا أنا لا أكره أحدا, فالكراهية تحتاج إلى ذاكرة عاطفية قوية, وأنا قلبي سريع النسيان, وثالثا أنا لا أعرفك. قالت: انا سنة ألفين! وأفزعني أن أقابلها أنا لم أعد نفسي لهذا اللقاء أبدا. قالت بمرارة: انت منحاز للقرن العشرين! اقسمت ان هذا ليس صحيحا, انا منتم الى القرن العشرين هذا صحيح لكنني لست منحازا له. عندما بدأ وعيي كانت الخمسينيات قد اتت, فكنت اقرأ كل يوم, كيف يحدث هذا ونحن في القرن العشرين؟ كانت الكلمة تعني ان القرن العشرين قمة الحضارة. وكان رصيد القرن العشرين في منتصفه رصيداً طيباً, في الادب طه حسين والعقاد واحمد امين وتوفيق الحكيم, ونجيب محفوظ وفي العلم مصطفى شرفة, وفي الدين مصطفى وعلي عبد الرازق, وفي القانون السنهوري.. الخ, والاهم من ذلك موجات التنوير: قاسم امين وتحرير المرأة من بداية القرن. وعلي الرازق وأسس الحكم, وطه حسين والشعر الجاهلي, ومصطفى عبدالرازق والفن.. الخ. هذه البدايات الرائعة تجعل بدايات القرن تخجل من نهاياته حيث هذه السخافات التي تحيطنا من السياسة الى الفن. نظرت لي (الآنسة 2000) نظرة صاعقة وقالت لي: وهل اتحمل مسئولية ماحدث في القرن الماضي حقا كما تقولون في الامثال الآباء يأكلون الحصرم والابناء يضرسون! قلت: انا لا اتخيل ضرورة هذه الفروق الوهمية بين اليوم الاخير من قرن واليوم الاول من القرن الذي يليه, فكلها ايام متصلة لا تهتم بأي روزنامة من اي نوع, ولذلك انا لا اتخيل يا آنسة 2000 انك ستتغيرين عن الليلة. ولو ان الاولاد كانوا اكثر لطفا لتركوا لي الريموت .. لأريك اخبار الكوارث في كل مكان والحروب من الشيشان الى جنوب لبنان, والحقوق المسلوبة على معظم اليابسة واحيانا على البحار. وانا متأكد ـ كما انني متأكد انك مجرد خيال ـ ان الغد سيكون امتدادا لليوم. الفرق فقط في عدد القتلى هنا او هناك. قطبت جبينها وقالت: اعرف انك دسيسة من القرن العشرين! ضحكت والضحك في الاحلام له طعم آخر. وقلت لها: صدقت يا آنسة وكذبت. كذبت لانه لايمكن ان اكون دسيسة بالمعنى الذي تفهمينه, ولكنني ايضا آت الى الالفية الثالثة (دسا) فليس لي فيها عنوان ولامكان ولا حلم. وفي الحقيقة انا لا انكر انني (دسيسة) ولكن ليس بالمعنى المتعارف عليه لقد انزلقت دون قصد على هذه الالفية التي استريب فيها. واستيقظت على ضجة (القبيلة) التي تجمعت في هذه الليلة ونادراً ما تجتمع في هذا الزمن الذي يجعل كل فرد ينشغل بنفسه يبدو ان (القبيلة) راقبت نومي ويقظتي فقالوا لي: صح النوم! وهو تعبير طالما حيرني, لكن جرسه جميل في الأذن. وبما انني كنت اكبر أفراد (القبيلة) سنا, فلقد لبست ثوب الحكمة وقلت لهم: على بدايات القرن ان تخجل من نهاياته! وفوجئت بـ(القبيلة) كلها تنقلب علي. ولماذا يا اونكل هل كان الكمبيوتر في بداية القرن؟ هل تتخيل ما فعله الكمبيوتر في حياتنا من تسهيلات, ولماذا يا اخي هل كانت هناك (ثلاجات) في بداية القرن؟ الثلاجة في رأيي هي اهم اختراع في تاريخ البشرية ففيها نحفظ الأطعمة والأهم اننا نثلج فيها الماء والماء البارد اجمل ما في الحياة, ولماذا يارجل لقد كان الانسان يسافر المائة كيلومتر في اسبوع, وكان الأثرياء يركبون القطار فيصلون في يوم واحد, اما انت الآن فتركب الطائرة فتصل الى نهاية الدنيا في ساعات معدودة. واستمر (الورثة) الذي لن يرثوا شيئا يعددون لي مزايا نهايات القرن. قلت لهم ان نهاية القرن شهدت ثورة في الاختراعات, ووفرة نتيجة ذلك فتعبير (مات من الجوع) الذي كان موجودا حتى في البلاد المتقدمة اصبح الان محصورا في بعض البلاد الافريقية والآسيوية. وثورة الاتصالات هائلة. أول مكالمة دولية قمت بها, كانت كلمة (الو) من الطرفين فلم اسمع شيئا, ولم يسمعوا شيئا, وانتهت المكالمة التي كانت تتم بطريقة مركزية دون ان ينطق احد بجملة مفيدة, واذكر ايضا صديقا كلمني منذ وقت طويل ليقول لي: انه يكلمني من الغرفة في فندق في باريس!! انها ثورة تكنولوجيا هائلة. اعرف هذا كله لكن رغم ذلك على بدايات القرن ان تخجل كمايحدث في نهاياته. كان الشر موجودا لكنه لم يكن محتما لاصحابه كما هو الان, كان العنف موجودا لكنه لم يكن لذيذا لاصحابه كما هو الان, كان بعض الابناء يتمردون لكن لم يوجد ابن يسيىء الى والديه مثلما يحدث الان. لقد فسدت قيم العمل والنجاح ـ والتآلف ولم يبق منها الا مايجعل الحياة قائمة على هذه الارض. فلو قل هذا الباقي لاختفى العالم كله. وهكذا ترى ياعزيزي القارىء انني كتبت عن (الالفية) دون ان يهددني احد بالسيف او بسواه. يبدو ان المناسبة كانت (أفظع) من ان نتجاهلها. قالت لي صغيرة شريرة من (القبيلة) حتى لو كان على بداية القرن ان تخجل من نهايته فلقد انتهى القرن كله الآن. فماذا ترى في القرن المقبل؟ قلت لها متفلسفاً: اتمنى ألا تخجل بدايته من نهايته. ولانهايته من بدايته. وكنت أعرف انها مجرد امنية!