للحكومات مواقيتها الرسمية وأعرافها الميري, ولكن للأهالي للناس البسطاء مواقيتهم الشعبية وأعرافهم التي اصطلحوا على توارثها عبر السنين, جيلا من بعد جيل.وأذكر في مراحل الصبا أن قررت حكومة القاهرة الأخذ بالتوقيت الصيفي, بمعنى تقديم الساعة 60 دقيقة ابتداء من حلول الصيف في شهر مايو وحتى أول أكتوبر , وكم انطلقت الأبواق الحكومية الرسمية في منظومة الميديا توضح للناس مزايا هذا التوقيت الذي يجعلهم يبدأون العمل مبكرين ساعة كاملة قبل أن تداهمهم غائلة الحر ولفح السخونة, في (الطراوة) كما يقول المصريون, وفيما امتثل الناس لتعليمات الحكومة وهم غالبا ما يفعلون, فما باليد حيلة والعين لا تعلو على الحاجب ولا المياه تصعد إلى أعلى كما يقول المصريون أيضا, ومع ذلك ظللنا فترة طويلة نسأل الشاب والرجل عن الساعة, فإذا به يحدق فيك ثم يطرح سؤالا غريبا يقول: تريدها حكومة أم أهالي؟ بمعنى تريدها حسب توقيت الحكومة (الصيفي وكان في حكم البدعة) أم تريدها كما كانت أيام زمان, وطبعا كان مثل هذا السؤال شائعا في البراري والأرياف حيث بعيدا عن العاصمة حيث للحكومة أعوان مفتحو العيون, وحيث لها يد طولى يتصور الناس أنها قد تبطش ولو في موضوع لا هنا ولا هناك مثل حكاية التوقيت. في صبانا أيضا كنا نتسامع من أجهزة الإعلام الحكومية ـ كانت الراديو أساسا ـ أن رمضان قد ثبتت رؤيته .. ولكننا لم نكن نهدأ بالا ولا وجدانا إلا عندما يذيعون أغنية محمد عبد المطلب الشهيرة بعنوان (رمضان جانا .. أهلا رمضان) وكانت هي ومعها أغنية (رحت يا شعبان جيت يا رمضان) وأغنية (وحوي يا وحوي) للمطرب أحمد عبد القادر بمثابة النشرة الأهلية الشعبية بحلول شهر الصيام الكريم تماما, تمثل ما كان الناس يستقبلون به غرة شوال وفي مسائها أو ليلتها كان يتردد حوار على شفاه الملايين من قبيل: كل سنة وأنت طيب ثبتت رؤية شوال الحمد لله .. غنت أم كلثوم والمعنى أن بدأ الراديو يذيع أغنيتها الشهيرة التي أختار لها مؤلفها بيرم التونسي عنوانا يقول (حبيبي يسعد أوقاته) , ولكن عمد الأهالي على طريقتهم أيضا إلى اختيار عنوان آخر للأنشودة أبلغ دلالة وأكثر إبانة وهو (الليلة عيد) وهي أغنية كم يحلو للآذن العربية أن ترهف السمع إليها ليلة العيدين الفطر والأضحى. ومن عجب أن المرء يهفو إلى سماع أنشودة (الليلة عيد) هذه وخاصة في ليلي العيدين والمرء يصغي إليها, الكلمات واللحن والأداء بنشوة مفعمة بوعود العيد وبهجته, ثم لا يكاد المرء يذكر الأغنية ولا يشتاق إلى سماعها على امتداد أيام العام الأخرى لقد ارتبطت وثيقا بليلة العيد الذي هو ع الدنيا سعيد كما يقول العم بيرم التونسي, تماما كما ارتبطت بشهر رمضان أصناف معينة وأطباق ومأكولات الكنافة أو اللقيمات أو مشروب قمر الدين, يقبل الناس عليها مع مقدم رمضان ولا يكادون يذكرون لها اسما ولا يسيغون لها طعما في سائر الليالي والأيام. ولعلك تعرف أن أغنية (حبيبي يسعد أوقاته) أو (الليلة عيد) لها أخت أصغر منها وتدور هي الأخرى حول نفس المناسبة وعنوانها (يا ليلة العيد أنستينا) و(جددت الأمل فينا) وهي تأليف الشاعر أحمد رامي الذي أدى دوره ببراعة وشاعرية الممثل كمال أبو ريه في مسلسل أم كلثوم الذي صاحبنا أو صاحبناه طيلة ليالي رمضان الكريم الذي ودعناه. ولم تكن البراعة تكمن مثلا في أن الماكيير أجاد تنفيذ تعليمات المخرجة المقتدرة فعمد إلى تكبير منخار الممثل لكي يقرب به الشبه مع الشاعر الكبير الراحل, ولا أن الممثل ارتدى غطاء رأس رامي الشهير في مرحلة الكهولة والصلع, وكان الشاعر قد أختار البيريه بدلا من الطربوش ولا ندري هل كان ذلك نزوة شاعر عاش ودرس في باريس أو كان رفضا مهذبا للطربوش المرتبط بمرحلة الاستعمار التركي والسيطرة العثمانية على مصر والمشرق العربي, أم كان استجابة لما كان ينادي به بعض المفكرين والأدباء من اصطناع البيريه غطاء وطنيا للمصريين في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات تمردوا على الطربوش.. وقد ارتبطت الدعوة بأسماء أساتذة كبار مثل الدكتور محمود عزمي وهو من رواد الصحافة العربية المعاصرة وله دور مشهود ومعروف في صياغة ميثاق سان فرانسسكو الشهير الذي قامت على أساسه منظمة الأمم المتحدة ومنهم كان الأستاذ العقاد الذي كان يجمع بين البيريه وبين الطربوش. ولقد أدركت الشاعر أحمد رامي في العقد الأخير من حياته وكان ذلك في مقتبل عملي في إذاعات القاهرة, وكان الأستاذ رامي من ثاني أثنين من كبار مسئولي لجنة النصوص في إذاعة (الجمهورية العربية المتحدة) " بالقاهرة وكان الثاني شاعرا آخر يشار له بكل بنان هو الأستاذ محمو د حسن إسماعيل وكم كنا نسعد حين نصادف الرجلين أو أحدهما في مصعد الإذاعة بشارع الشريفين أو نكلف بالحصول على توقيع من هذا أو ذاك على نص لقصيدة قيد التقديم أو أغنية قيد التلحين.. ولم لا نسعد حين نشاهد رامي أو نتعامل معه وفي وجداننا قبسات من ذوب قلبه صاغها شعرا يبدو بسيطا وما هو بالبسيط ثم اهدتها ألحان السنباطي أو زكريا أحمد أو القصبجي إلى حنجرة أم كلثوم (السوبر ذهبية) فإذا بها تتحول في حياتنا إلى نفحات من جمال وومضات من سحر أخاذ ويشهد الله كم كانت الكلمة التي كان أحمد رامي يستخدمها لوصف الأشياء هي كلمة (لطيف) تسأله أن كانت الساعة الواحدة موعدا يروقه كي تلقاه في عمل ما فيجيب (لطيف) وتسمعه عرضا وهو يتجاذب في الهاتف أطرافا من الحديث فإذا بكلمة (لطيف) تتردد في كل وقت وآنة ليظن المرء أن قاموسه قد تركز عليها وهو العليم بأسرار اللغة وثرائها.. فالموعد لطيف, ودفتر لجنة النصوص لطيف .. وكم راعنا أن نسمعها وقد ترددت على لسان الممثل (أبو ريه) وهو يجسد شخصية أحمد رامي.. ولقد سألت صديقنا الكاتب المبدع محفوظ عبد الرحمن أن كان قد عرف هذا الجانب وهو يرسم شخصية رامي في عمله الجميل الذي أسعدنا طيلة رمضان فأجاب الرجل تواضعا بالنفي وقد تصور كلانا أن الممثل وهو يستعد للأداء ورسم أبعاد الشخصية ربما لجأ إلى معارف الأستاذ رامي أو إلى أسرته ليضفي مزيدا من المصداقية على الأداء كيف لا .. وقد كان يحرك يديه ويلمس جبهته في أكثر من موضع وهو يتكلم وهو ما عهدناه في الشاعر الكبير رامي ولو من بعيد لبعيد. وبمناسبة الاستعداد لأداء الشخصية .. فقد عمدت أيضا إلى سؤال الفنانة سميرة عبد العزيز وقد أدت باقتدار شاعري دور والدة أم كلثوم .. كيف تأتى لها النطق بلهجة شرق الدلتا حيث نشأت أم كلثوم ناهيك عما عرضه المسلسل في سياق تلك النشأة من أعمال المنزل الريفي ومهام العجن والخبز أمام الفرن الفلاحي والتعامل مع دواجن الطيور, وما إلى ذلك .. هنالك عرفت أن الفنانة سافرت إلى مسقط رأس أم كلثوم في قرية طماي الزهايرة من أعماق محافظة الدقهلية وأمضت فيها أياما وفي صحبتها جهاز تسجيل ويحدوها شغف الفنان بالإتقان وإحساسه أنه أمام عمل يجمع بين سيرة فرد وتاريخ أمة.. وكان أن ثقفت لهجة الناس في ذلك الإقليم الواقع شرق النيل وفيها إيقاع من بداوة محببة ربما تناهى إلى القوم بفعل هجرات من جزيرة العرب إلى صحراء مصر الشرقية, وكان أن اكتسبت مهارات السلوك الذي تنتهجه كل أم وكل ربة بيت في تلك الأرياف .. ومن ثم أدت في عفوية محببة وإتقان. ولا تحسب أن حكاية رمضان جانا أو (الليلة عيد) مقصورة وحسب على المناسبات الدينية .. لقد عودتنا الميديا المصرية على أن ثمة تذكارات أو (اقانيم) أو (ثوابت تقترن إذاعتها بين الناس بمواسم أو مناسبات بعينها .. أسأل اي غلام في مصر عن أسم الفيلم الذي يذاع ليلة 23 يوليو (ذكرى الثورة أو عيدها) ولسوف يجيبك الصبي دون توان: أنه فيلم (رد قلبي) تأليف يوسف السباعي ويحكي عن إرهاصات الثورة إلى حين قيامها من خلال حكاية أسرة فقيرة أنجبت واحدا من الضباط الأحرار. ثم أسأل أن استطعت أي صبي أمريكي عن العمل أو الأعمال الفنية التي يعرضها التلفاز أيام احتفالات عيد الميلاد (الكريسماس) ورأس السنة .. فإذا به يجيبك لفوره: أنها أفلام بعنوان (ترنيمة الكريسماس) و(معجزة في شارع 34) و(الوصايا العشر) .. أن عندهم, كما عندنا أعمالا فنية في حكم المقرر على الناس عاما بعد عام. ويبدو أنهم يحسون بنوع من الاطمئنان على استمرار دورة الحياة واستقرار أوضاعها بين سنة تمضي وسنة تجئ, وأن هذه السكينة تجلبها مشاهدة أو سماع عمل فني يتكرر في موعد موقوت ويكون تجسيدا للربط بين الماضي والحاضر وبين أمل المستقبل.. حياك الله بفضله إلى أن تعاود سماع (رمضان جانا) و(الليلة عيد) من العام 2000 بأذن الله.