أتساءل والعيد مناسبة للفرح تأبى إلا أن تفرض نفسها: ترى هل يحتاج الفرح إلى مناسبة نهيء أنفسنا لها كي نرسل هذا الشعاع غير المنظور الى مراكز الحس لتفتح نوافذ القلب كي يتسلل النور إلى مناطق العتمة ليضئ جوانبها ويغلق بوابات الحزن ولو إلى حين حتى إذا ما انقضت أيام المناسبة أعدنا فتح تلك البوابات كي تتدفق أشجاننا وهموم حياتنا لتعيدنا إلى وقع الحياة المألوف وسيرتها الاولى بألوانها الزاهية والقاتمة, ونسائمها اللطيفة وعواصفها المزمجرة, وجداولها العذبة وبحارها المالحة. أنظر في عيون الاطفال صبيحة العيد, وأحاول أن اكتشف حجم الفرح فيها, فهم المجسّ الحقيقي لكل شعور صادق بعيد عن شبهة المصانعة والاقنعة الزائفة, وأطرد من عقلي نهائياً فكرة المقارنة بين إحساسهم بالفرح وإحساسنا نحن الكبار الذين صعقت مراكز الحس فينا مئات الصواعق بعدد سنوات عمرنا وشهورها وأيامها, وكدّرت صفو ينابيع الفرح لدينا جداول احزان تسللت إليها دون إرادة منا فلم تفلح كل السدود التي حاولنا إقامتها في منع جريانها قدراً محتوماً إلى تلك العيون لتطفئ وميض الفرح فيها. أستمع بشغف ومحبة إلى تلك الحوارات التي يجريها المذيعون في أجهزة الاعلام المسموعة والمرئية وأقرأ باستمتاع تلك المقابلات التي تنشر في الصحف مع كبار السن نساءً ورجالاً يتحدثون فيها عن العيد في زمن يصفونه بالجمال كأني بهم يعرضّون بزماننا هذا ويريدون أن يصفوه بالقبح فألمس مقدار الحسرة التي تخرج نبرات أصواتهم مغلفة بها, وأراهم يعودون إلى سنوات هي بالتأكيد غير عائدة إليهم, فأدرك أنها نوبة من نوبات الحنين الى الماضي الذي لا يمكن أن يعود أبدا, وما كان لألق الشباب وزهوه أن يتناغم أو يتآلف مع خريف العمر وأوراق أشجاره الصفراء الذابلة التي تستعصي على أنهار الارض أن تعيد الاخضرار إليها. أنظر الى التعبيرات التي ترتسم على وجوههم, واستمع إلى نبرات أصواتهم فأشعر بأنهم ينعون لأنفسهم الشباب الغارب أكثر مما ينعون إلينا الفرح الهارب. فاذا ما تجاوزنا ذلك وجدنا في حديثهم نغمة أخرى لا علاقة لها بعامل الأسف على الشباب, والكبر الذي بلغوا منه ما بلغوا, إنها طبيعة ذلك المجتمع المتماسك المتآلف المتحاب الذي لم تلوثه الطفرة المادية وإفرازات المدنية الحديثة بما جلبته لنا من أنانية وعزلة وحب للذات وانشغال بالنفس عن الآخرين مهما كانت درجة قرب أولئك الآخرين منا. أترك ذلك الجيل المتأسّي على الماضي وأعود ثانية إلى الجيل الذي نستشرف من خلاله المستقبل, أطفالنا الذين نحاول أن نستثمر خبرة طفولتنا في التعامل معهم غير آخذين بالاعتبار عقوداً من الزمن غيّرت وجه الحياة وطبيعتها, وعوامل كثيرة شكّلت طريقة تفكيرهم وتعاملهم مع الاشياء, ألسنا نحن الذين تمنينا لهم حياة مختلفة عن حياة الآباء والاجداد تجنبهم معاناة البحث عن لقمة العيش بين لجج البحار ولهيب الصحراء الحارقة, وأردنا لهم أن ينهلوا من منابع العلم والمعرفة فوفرنا لهم كل سبل الاتصال بتقنية العصر وأدواته الحديثة, وفتحنا لهم كل الطرق للاحتكاك بشعوب العالم وثقافاته المختلفة؟ فهل نستغرب بعد ذلك أو ننكر عليهم أسلوب تعاملهم مع الحدث ودرجة تفاعلهم معه؟ أدرك ذلك وأنا ألاحظ ردود أفعالهم ونحن نطلب منهم معاينة ملابس العيد الجديدة فأجدها باردة لا تنّم عن فرح حقيقي أو اهتمام غير عادي, وتعود بي الذاكرة إلى زمن كنّا فيه في مثل سنهم, فألمس الفارق في مقدار الفرح الذي كنا نستقبل به آباءنا وهم يدخلون علينا بملابس العيد الجديدة واستنتج أن ثمة معايير قد تغيرت وأن مفاهيم كثيرة كانت في عقولنا ووجداننا لم يعد لها مكان لدى الابناء صنائع المناهج الدراسية الأجنبية ووسائل الاعلام الحديثة وشبكات المعلومات المتطورة وأفلام السينما المغرقة في الخيال, ومداخل ومخارج لا نعرف عنها إلاّ بمقدار ما يسمحون لنا هم بالدخول إلى عالمهم او عوالمهم التي نجهلها ولا نجد أنفسنا فيها, لنعود فنسلِّم بأننا نعدّهم لزمان غير زماننا. الملاحظة نفسها يطرحها أكثر من صديق فينبري أحدهم ليفسر ذلك قائلاً: هل تعرفون لماذا لم تعد للاطفال فرحتنا نفسها بملابس العيد الجديدة؟ لأنهم لم يعرفوا ماذا يعني ألا تلبس الجديد سوى مرة او مرتين في العام, فملابسهم على مدار العام جديدة زاهية, وربمّا غيرّوها في اليوم الواحد مرتين او ثلاثا. اما على ايامنا فلم نكن نعرف الملابس الجديدة سوى في العيد, ولذلك فقد اصبح للعيد في نفوسنا وقع وغدت له مكانة خاصة لانه ارتبط بالجديد. ثم يسترسل كأننا فتحنا شهيته للكلام: هل تذكرون اكبر مبلغ يمكن ان يتجمع في جيب الواحد منا في العيد؟ محظوظ من يستطيع ان يجمع اكثر من عشر روبيات هندية او ريالات من ريالات قطر ودبي (العملة المتداولة وقتها) اما اليوم فان العشرة دراهم اقل ما يقنع الطفل بها كلما عنّ له ان يقوم بزيارة خاطفة للبقالة المجاورة وهي زيارات لا تنقطع طوال اليوم, اما اذا قرر ان يزور مركزاً من مراكز الالعاب التي غدت تستنزف جيوب الاهالي وتتطلب رصد ميزانيات خاصة لها فان ورقتين او ثلاثاً من فئة المئة درهم لا تشبع نهم آلات والعاب هذه المراكز ولا تفي بحاجة الطفل للمرور عليها, اضف الى ذلك مبلغاً آخر اذا ما صمم الطفل على شراء لعبة يواصل بها مهرجان الفرح واللعب في البيت. ومع ذلك فهم لا يشعرون بمقدار الفرح الذي كنا نشعر به في مناسبة كهذه نضع فيها ملابسنا القديمة جانبا مزهوين بالجديد, وتعمر فيها جيوبنا بعشر روبيات او ريالات مرة او مرتين في العام؟ قلت لصاحبي وقد لقي الموضوع هوى في نفسي: أتابع منذ فترة برنامجاً يعرض في التلفزيون لا تتعدى مدة الحلقة الواحدة منه الدقيقتين عنوانه (عام 2000 بعيون 1000 طفل) وأعتقد أنه من أفضل البرامج التي تقدّم لنا رؤية ألف طفل من جميع أنحاء العالم للألفية الجديدة التي هلت علينا منذ أيام قليلة, يتحدث في كل حلقة من حلقاته القصيرة ـ تمشياً مع إىقاع العصر ـ طفل من بلد من بلدان العالم المختلفة فيرسم لنا ملامح المستقبل من وجهة نظره على شكل أمنية يتمنى أن تتحقق من خلاله او من خلال أقرانه أطفال العالم. وقد لاحظت أن أغلب الامنيات أتت على شكل أحلام تبحر في عالم الخيال متجاوزة الواقع الذي تعيشه البشرية في نهاية الالفية الثانية وبداية الالفية الثالثة الى الدرجة التي يحلم فيها طفل ـ على سبيل المثال ـ بأن يركب مركبة فضائية لينطلق بها الى الشمس, ورغم غرابة الأمنية إلا أنها تعكس طريقة تفكير جيل لا يعترف بالمستحيل ولا يرضى بالقليل ويسعى الى كسر رتابة الحياة العادية, فلا خوف عليه إذن إن لم يبد في العيد الابتهاج الذي نتوقعه منه, فمثلما له طريقته في التعبير عن الفرح لا شكّ أن له طريقته في التعبير عن الحزن, وإذا ما استطاع أن يحقق التوازن بين الشعور بالفرح والحزن فقد نجح في أن يحقق المعادلة الصعبة. أما نحن فسنظل نحتفظ للعيد ببهجته ورونقه وسيظل العيد يحمل الينا الفرح مهما تسللت الى جدران نفوسنا شروخ الزمن.. فمواسم الفرح هي نسائم الامل التي تطرد رياح الوهن واليأس من صدورنا وقلوبنا, فمرحبا بها مع أيام العيد وذكرياته المتجددة تنعش نفوسنا وتعيد إليها ما خبا من بريق الحياة فيها.. جعل الله أيامكم كلها أعيادا.