حالة نادرة ان ينعي ديوان الرئاسة مواطناً عادياً, لم يتقلد منصباً سياسياً, فلم يكن العزاء لدوره ومساهمته الوظيفية الرسمية, ولم يكن عزاء بروتوكولياً.كان عزاء لشخصه, وكانت كلمات النعي مؤثرة, صادقة. حالة نادرة كان النعي, لشخصية نادرة في هذا الوطن الصغير, وفي الوطن العربي الكبير . انه سلطان العويس الذي ملك ان يصنع في هذه الهاوية الفانية, ما لا يموت ولا يفنى. زرع الخير في كل ارض, وحفر ذكرى جميل عمله في صدور الناس, وملك ان يسجل اسمه في صفحات التاريخ وأعمال البر. ان يكون رائداً, مختلفاً, ان يكون مدرسة قائمة بذاتها هو فيها الاستاذ والمنهج. مدرسة الحب: حب الوطن وأهله, حب الجمال والابداع, حب الفكر والثقافة, حب الانسانية والأعمال السامية. مدرسة مشرعة للجميع, تنتظر ان يجود الدهر بسلطان آخر يكمل اداء رسالتها. انتمي لجيل ولد على ذكر سلطان العويس, في الستينيات عندما كان التعليم ضيفاً غريباً, يحاول الدخول في المجتمعات البدوية المحافظة والمنغلقة, كان لا بد له من امر ترغيب, ومدخل يدعم وجوده ليأنس البدوي, ويسمح لهذا الضيف ان يحل ساكنا, مقيماً, وان يتعاون معه وينفتح عليه. سلطان كان هذا الانسان, فهو يعرف طبع أهله وخصوصية مجتمع البداوة, ويعلم ضرورة ان تقوم المدرسة, وان يقدم لها الطالب والطالبة. انتبه الى حافز الترغيب, فساهم في أن يقدم (كسوة) للطالب من ثياب وادوات مدرسية, وان يقيم وجبة غداء يومية لجميع طلاب المدرسة. هذا دور من ادوار قام بها, في زمن صعب. اذكر من فضائله ايضاً, في ذات الفترة, ان حلت سنوات جائعة, عطشت فيها النخيل, وكادت ان تموت واحة مثل (الذيد) وموت غابة النخيل التي يسمونها (البلاد) من فرط أهميتها ومكانتها عندهم, يعني ان يموت اهل الواحة, عمل على مساعدة الأهالي, فرعى ودعم عمليات اعادة حفر (شريعة) الماء سنوات وسنوات, وقدم للواحة خير عمل, اقام فيها المسجد الجامع الاوحد, الذي تقام فيه صلاة الجمعة, وعمر البناء اكثر من ثلاث مرات, تحول فيها مسجد الطين الصغير, الى بناء ضخم مآذنه تقترب من السماء, والباني في كل المرات هو سلطان العويس, واصبح المسجد اليتيم مساجد في جنبات الواحة, هذا مسجد العويس الشمالي, وذلك مسجد العويس الجنوبي, وعلى الطريق ثالث ورابع, في كل بقعة أوجد مصلى يعبد فيه الله, وتدعو فيه الجباه الساجدة بالخير والرحمة على من اقام هذا العمل الصالح. اهالي الجبال والوديان وصلهم ايضاً خير سلطان العويس, فلا احد يخاف من جريان البطحا مثل ساكنها, ولا احد يتعثر في السير مثل ساكن الجبل في ليالي الشتاء المحملة بالريح والمطر, أقام العديد من السدود, وعبد الطرق, ورحم اسراً محتاجة في مختلف القرى والمناطق. وفي المدينة اعطى سلطان الكثير. خير الناس من يبدأ بأهله, وقد فعل, وامتدت أياديه الى كل بقاع الوطن العربي من مصره الى شامه والى شتى بلاد الاسلام. ولا يعلم حتى اقرب الناس منه, حجم أعمال البر والمناطق التي وصلها جود سلطان. ووجدت فيه الأمة خير معين على النهوض بمشروعها الفكري في خلق مناخ الابداع وروح الابتكار وتشجيع الثقافة, وتكريم المتميزين الذين ساهموا في صنع مجد وحضارة امتهم, فكانت جائزة العويس أكبر مشروع ثقافي عربي يمتاز بمصداقية ونزاهة في اختياراته واغراضه. ورغم ضخامة ما قدم وانفق, لم تنقص (مالية) العويس, التي يضرب بها المثل, بل كانت تتضاعف كلما اعطى, لأنها ثروة مباركة, اطعمت وكست, وصنعت, واسعدت الكثيرين. وغاب سلطان. جسده فقط الذي ودعنا, اما هو فسيظل خالداً فينا.. في كل الناس. * * * رسالة عاجلة وصلتني امس, في لحظة الكتابة عن المرحوم سلطان العويس. تقول الرسالة ان صديقاً سودانياً له اهل وذكريات ورفاق كثر في هذا الوطن, وفي الاوطان التي وصلت اليها كلماته, هذا الصديق توفي بعد رحلة قاسية مع الاوجاع والمرض, انه (القمر الذي هوى) الشاعر الحالم الباسم في كل الاوقات والظروف قمر الدولة محمد. يرحمك الله يا صديق.. ويرحمنا الله.