عندما نتحدث عن الوفاء, فإنما نشير الى قيمة من القيم العربية الراقية, التي اشتهر بها السلف, وورثها الخلف, وعنها حدثتنا كتب الأدب, من منظوم ومنثور, وأخبرتنا كتب التاريخ قصصاً عنها غاية في الروعة, ولعل أشهر تلك القصص, قصة (وفاء السموأل), فوفاء هذا الرجل, ذهب مثلاً تتناقله الأجيال وتنبض به الأحقاب المتتالية . والسموأل هذا, طائي النسب, يهودي الدّين, عاش في الجاهلية, وله شِعر جميل, ومنه لاميّة ذات المطلع: إِذَا المَرءُ لَـمْ يَدنَس منَ الُّلؤم عِرضَـهُ فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرتَديهِ جَـمِـيلُ وإنْ هو لم يَحمِلْ على النّفسِ ضَيمَهَا فَليسَ الى حسن الثّنَاءِ سَبيلُ تُعيِّرُنا أنَّا قليلُ عَديْدُناَ فَقُلْتُ لها إنَّ الكِرامَ قَلِيلُ فالقارىء الكريم, مدعو إلى قراءة قصة (وفاء السموأل), لما فيها من عبر تعتبر, وهي تعبير عن البعد الإنساني, الضارب في أعماق النفس العربية, تلك النفس المحكومة بضمير لا تهزه المغريات, ولا تنهنهه العواصف والأنواء, عن تحقيق الغاية المثلى. إننا إذ نلفت الانتباه الى هذه القصة الآن, فإنما نريد اولاً: تذكير الأحفاد بخلق كريم من أخلاق الأجداد, والعودة معهم الى مورد عذب من موارد الشيم والمروءة, ونريد ثانياً, أن نؤسس لنحت كلمة (وفاء) في القلوب قبل مفكرة التاريخ, لتنير لها الطريق, عندما تَدْلهِمُّ الأيام, ويكفهرُّ أفق الحياة..! ننحتها لإنسان, أعطى من غير ان يطالب بإحصاء او حصر ما أعطى وهو لا يزال بيننا ماضياً على ذات الدرب, ولذات الهدف, بل ان معجمه, لم يعرف سوى هذه المفردة (عطاء), خلال مسيرة قصيرة المسافة الزمنية, لكنها عميقة التأثير في سائر الاتجاهات والأبعاد المعنوية منها والمادية, وهي النقلة النوعية على كل صعيد, نقلة نوعية, بكل ما تعنيه الكلمة, أشاد بها القريب والبعيد على السواء وتغنى بها الشروق, وأضفى عليها الأصيل بردته وجماله, وسارت بها قوافل الأجيال وستبقى سائرة الى ما لا نهاية. لقد تعشق (العطاء) منذ نعومة أظفاره, وتشرب معناها, لتصبح جزءاً عضوياً في كيانه, ونبضاً لا يخفق خافقه الّا به, إنه القائد الوالد (زايد) الذي تشرَّفَتْ به هذه الربوع الكريمة, حاكماً حكيماً, وأباً رحيماً, وإنساناً يفيض عاطفة وشفافية متناهية, ورجلاً صلباً, لا سبيل لليأس الى قلبه, ولا سلطان للقنوط عليه, فوفاء لقائدنا ووالدنا الرحيم, نرفع قصيدة الوفاء هذه: بَأبِـي مُقَامٌ دونَهُ الجوْزَاءُ يَهفُو إليهِ الصِّيدُ والكُرَمَاءُ هُو مَنزِلٌ مَا حلَّهُ غَيرُ النَّدى وجمِيعُ مَنْ لاذُوا بِهِ نُجَبَاءُ غَنَّتْ بهِ الأيَّامُ مَـجداً شامِـخاً وَشَدَا بهِ القُمْريُّ وَالوَرْقاءُ زادَتْ بهِ شِيَمُ المُرُوءَةِ هَالَةً وتَعَشَّقَتْهُ العِزّةُ القَعْسَاءُ بَيتُ الأَبِيِّ أبِـي خَلِيفَةَ طَافِحاً بالفَضل, والإِيمَانُ فِيهِ لِواءُ بَـيْتٌ بِهِ تَلقَى الحَيَاةَ أنيقَةً قَدْ زَيَّنَتْهَا كَفُّهُ البَيْضَاءُ فَالقَفْرُ رَوضاً يَزْدَهِيكَ جَمَالُهُ إِذْ لَامَسَتْهُ بَنَانُهُ الخَضْرَاءُ دُهِشَ الجَمِيعُ بِحُسْنِهَا فَتَهَامَسواْ: هذا مُـحالٌ..؟ إنِّها بَيْدَاءُ لكنَّ زَايِدَ إذْ أَتَاهَا مُصْلِحاً (سَالَ النُّضَار بِـهَا وَقَام المَاءُ) (وَكَذَا الكَرِيمُ إِذاَ أَقَامَ بِبَلْدَةٍ) فالعُسرُ يُسْر والقُنُوطُ رَجَاءُ وتَسَنَّمَ الدُّنْيَا سَخِيُّ عَطَائِهِ فَتَأَلَّقَتْ في ذِكْرِهِ الأَنْبَاءُ (شَهِدَ العَدُوُّ بِفَضْلِ زَايِدَ جُهْرَةً والفَضْلُ مَا شَهِدَتُ بِهِ الأَعْدَاءُ) مُتَفَقِّداً, مُتَأَلّماً, وَمُوَاسِياً أوُ نَاصِحاً, يُصْغي لَهُ الكُبَـرَاءُ أو باسِطاً في أَهْلِهِ إيمَـانَهُ بالعِلْمِ حتَّى أُفْحِمَ العُلَمَاءُ نَبَذَ التَّكَلُّفَ زَايِدٌ بِبَسَاطَةٍ إِنَّ البَسَاطَةَ في الكَرِيمِ نَقَاءُ إِنَّ البَسَاطَةَ مِيْزَةُ الحُرِّ الَّذِي تَزْوَرُّ دُونَ مُقَامِهِ الأَهْوَاءُ وكَذَا التَّوَاضُعُ حِلْيَةُ الفَذِّ الَّذِي أفْعالُهُ أنَّى يَحِلُّ سَخَاءُ شَيْخٌ جَمِيع خِصَالِهِ وَخِلَـالِهِ كَرَمٌ وَجُودٌ بَاذِخٌ, وَعَطَاءُ نَهْجٌ أَبَى إِلَّا المَعَالِي رُتْبَةً وَأقَلُّ رُتْبَةِ زَايِدَ العَلْيَاءُ الكُلُّ في الوَطَنِ العَزِيزِ لَكُمْ يَدٌ أنْتُم أبٌ حَانٍ, وَهُمْ أَبْنَاءُ نَفْدِيكَ طَوْداً شَامِخاً ومُعَلِّماً يَا مَنْ تَحَارُ بِحُبِّهِ الأَسْمَاءُ دُمْتُم وَدَامَ المَجدُ فِي خُطُوَاتِكُمْ وَالخَيرُ يَنْهَلُ فَيْضَهُ الفُقَرَاءُ والحُبُّ إسْلَاماً حَنِيفاً مَنْهَجاً خُلْقاً نَمَتْهُ شَرِيْعَةٌ سَمْحَاءُ وَتَبَارَكَتْ أَيَّامُكُمْ مُزْدَانَةً بالأُنْسِ فَهيَ الجَنَّةُ الغَنَّاءُ سَجَّلْتُهاَ لَكُمُ وَفَاءً صَادِقاً إنَّ الوَفَاءَ مِنَ الوَفيِّ وَلَاءُ (نَعَمَ البَرِيَّةُ في بقائِكَ فَلْتَدُمْ لَهُمُ بِطُولِ بقَائِكَ النَّعْمَاءُ) وعلى عظيمِ المُنجَزَاتِ وقَدْرِها حَمْدٌ لكُمْ لا يَنتهِي وثَنَاءُ