صعب ان يحدد المرء ما يشعر به وهو يشهد نهاية عام ونهاية قرن ونهاية الفية في الوقت نفسه, هذا النوع من النهايات لا يتكرر في مدى التوقع البشري للانسان الفرد, ولا يقع لجيل او حتى لعشرات الاجيال, بل للمئات العديدة التي تصل الاجيال التي تتعاقب على مدى الف عام . والفارق جذري بين هذه النهاية التي نشهدها هذا العام والنهاية التي لا يمكن ان نشهدها للالفية المقبلة او حتى القرن المقبل, فارق جذري يجعل من نهاية هذا العام حدثا غير متكرر بأكثر من معنى, وغير مسبوق بأكثر من دلالة. نهاية العام الواحد نهاية ملموسة, معقولة, مستوعبة, نحسها بسهولة, ونسترجع تأثيرها في يسر, فنحن نجلس مع انفسنا في نهاية كل عام, نحتفل بميلاد عام جديد وانصرام عام قديم, نفعل ذلك يوم عيد ميلادنا, او ليلة رأس السنة, بعد ان ينبثق عام جديد من عام قديم, ونسترجع كل ما قمنا به في العام الذي انصرم, نحاسب انفسنا على الاخطاء, ونسجل لانفسنا الانجازات, ونقوم بوضع تخطيط اولي للعام المقبل, ونهمس لانفسنا قائلين: يمكن ان نفعل كذا وكذا لو مد الله في العمر, ومن الافضل ان نستبدل بذاك الموقف هذا, ونمضي في احلامنا, ونرسم خططا نراها ممكنة وقابلة التنفيذ, وتمضي اشهر العام الجديد ونشرع في تنفيذ مراحل هذه الخطط, وقد ننجح تماما, او ننجح جزئيا, لكننا في النهاية ننجز شيئا, ونحقق بعض ما وعدنا به انفسنا في مستهل العام الذي نحاسب انفسنا في اواخره على افعالنا فيه, ونفرح قليلا او كثيرا مع نهاية كل عام حسب ما حققنا فيه من اعمال مفيدة, وقد نلوم انفسنا على تقصيرنا, او نفخر بيننا وبين انفسنا بسبب انجازاتنا, فننظر الى اشهر العام المنصرم بالرضا عن النفس, ونستمد من هذا الرضا ما يدفعنا الى الانطلاق الواثق في العام الآتي. ولا اظن انني اسرف في حديث الذات لو قلت انني مع مطلع كل عام, اجلس وحيدا مع نفسي, وأضع خططي للعام الجديد في مفكرة جديدة, احرص ان تكون انيقة بهيجة الشكل, كما لو كنت أرى في لونها وشكلها فألاً حسناً لعام ارجو عطاءه, وأخطط ما انوي ان افعله في العام الجديد: المقالات التي اريد ان اكتبها, وهذا الكتاب او ذاك من الكتب التي ارجو الفراغ من تأليفها او ترجمتها, فضلا عن المشروعات العلمية التي لا نهاية لها, والتي نمضي سنوات العمر في الانشغال بها. وطبعا, لا انسى توزيع الخطة التي ارسمها على شهور العام. واحدد الاولويات المهمة, وبعدها المهام الاقل اهمية, ولا اغفل الاحتمالات التي يمكن ادماجها في الخطة او حتى الاضافة اليها. وبعد ان انتهي من ذلك كله, اتناول المفكرة القديمة الخاصة بالعام الذي مضى, واقارن ما افلحت في انجازه بما لم افلح في انجازه. وكل عام اكتشف انني لم احقق كل ما وعدت به نفسي, وان ما انجزته بالفعل اقل مما وعدت به هذه النفس اللوامة. ولكن يبقى لي ان ما حققته يدفعني الى استكمال ما لم احقق, وما وصلت اليه يغريني بالانطلاق الى ما بعده. وكل مرة ينبهني التخطيط المسبق الى عجلة الزمن التي تندفع الى الامام دائما, ولا تتوقف, ولا تنتظر احدا, عجلة الزمن التي وصفها الشاعر الانجليزي اندرو مارفيل في قصيدة جميلة (الى حبيبته الخجول) بكلماته التي تجسد اصوات مركبة الزمن المجنحة التي تسرع الى صحاري من اللانهاية الشاسعة للفناء. هذه اللانهاية الشاسعة من الفناء هي ما تخايلني الآن, وانا اتأمل المشاعر المتداخلة التي تنتابني, وانا اودع عاما وقرنا والفية بأكملها, وأسأل نفسي عن الافق اللانهائي للزمن الذي لابد ان اذيل في قبضته المتشققة ببطء وماذا افعل ازاء امتداد هذا الزمن الذي نتصاغر ازاءه ونتضاءل ونتضاءل, الى ان يعبرنا في اندفاعه اللانهائي الذي يخلفنا وراءه, فما اواجهه ليس عاما جديدا امسك به, وإنما قرن جديد بأكمله والفية كاملة. لذلك تختلط مشاعري وتتداخل, مؤكداً ان مفكرتي المتواضعة لن تحتمل اكثر من خطة عام جديد, او حتى عامين, او عدة اعوام, هذا اذا مد الله في العمر. لكن ان اخطط لما هو اكثر, او اتخيل ماذا يمكن ان يحدث خلال قرن؟ او اتوقع ما يمكن ان تفعله البشرية في هذا القرن فأمر بالغ الصعوبة, بل مستحيل. يحتاج المرء الى (آلة الزمان) التي اخترعها هـ.ج ويلز كي يرى ماذا سوف تأتي به القرون المقبلة, او حتى ما يمكن ان يأتي به القرن الجديد, ولكن (آلة الزمان) محض خيال اخترعه ويلز في روايته المشهورة, ولا يملك الانسان فعلا سوى آلته البشرية التي هي جسده الفاني, جسده الذي يدفع الكائن بعد الخمسين الى ان يحصي ما بقي من سنوات العمر المحدود ولا يتطلع الى البعيد البعيد من السنوات المقبلة, بل يرجو حسن الختام واصلاح ما بقي من زمنه الآفل ليعوض ما اساء به الى نفسه او الى غيره في سنوات الشقاوة والشيطنة. ومع ذلك فعندنا نعمة الخيال التي هي آلة زمن جديدة يمكن ان نلجأ اليها في انفسنا, فبالخيال نتصور الآتي من الزمن البعيد, ونتوهم ماذا يمكن ان يقع في القرون المقبلة. ولكن هل يمكن ان ننجح في ذلك تماما؟ لا اظن. من كان يتصور في مطلع القرن العشرين كل الكوارث التي حدثت فيه, ولا اتحدث عن الكوارث الطبيعية التي حدثت رغم ارادة الانسان, وإنما الكوارث البشرية التي صنعها الانسان في اخيه الانسان, هل كان يمكن لعاقل ان يتخيل ان هذه البشرية السعيدة التي ننتسب اليها ابادت مئات الملايين من البشر خلال الحروب العالمية والاقليمية التي شهدها القرن الذي مضى؟ هل كان يمكن لحالمٍ بمستقبل وردي للبشرية ان يتصور اسلحة الدمار التي صنعها الانسان, وظل يضيف الى مخترعاتها الى ان وصل الى الذروة المخيفة مع نهايات عصر الاستقطاب؟ وحتى لو قلبنا وجه العملة, وتركنا الكوارث التي صنعها الانسان لاخيه الانسان, وانتقلنا الى المنجزات العظيمة, والمخترعات المفيدة, فمن ذا الذي كان يمكن ان يتخيل منذ قرن مضى كل هذا الكم المذهل الذي يفوق الحصر من المخترعات والانجازات والكشوف العلمية. لقد كنا منذ بضعة عقود فحسب لا نتخيل امكان ان يتحاور مجموعة من علماء العالم المتباعدين في المكان, او ان يتبادلوا الرأي والمشورة في اللحظة نفسها بواسطة ادوات الاتصال الحديثة. الآن تحققت المعجزات, واصبح الانترنت والبريد الالكتروني مع الآلاف المؤلفة من الاختراعات الاتصالية في استطاعة الانسان. ولا ازال الى اليوم اذكر بالابتسامة اليوم الذي حمل فيه ابى الى منزلنا جهاز الراديو للمرة الاولى, كان جهازا خشبيا كبير الحجم, له (لمبة) خضراء صغيرة فوق مؤشر المحطات, كنا نسميها العين السحرية. وكانت هذه (اللمبة) تشدنا اليها, ونحن نستمع الى الجهاز العجيب. اين ذهب هذا الجهاز الضخم؟ حلت محله عشرات وعشرات الأجهزة التي ظلت تصغر وتصغر, شأنها في ذلك شأن جهاز التلفزيون. وماذا عن التليفون القديم الذي كنا ننوء بحمله في الطفولة بعد ان تحول الى المحمول, وتحول المحمول نفسه الى فاكس وجهاز كمبيوتر وشاشة انترنت في الوقت نفسه. ومن المؤكد هناك مئات ومئات الامثلة التي يمكن اضافتها, والتي تدل على ان ما تحقق من هذه الاختراعات يجاوز قدرة الخيال الانساني على التوهم او التصور. واللافت للانتباه ان الكم الرهيب من الكوارث التي صنعها الانسان لاخيه الانسان يوازى المخترعات التي افلح في اختراعها. والاعجب ان قدرة الانسان على اختراع ادوات الحضارة ووسائل التقدم لا تقل عن قدرته على اختراع ادوات الدمار واسلحة الفناء البشري الشامل. ويبدو هذا الانسان العجيب, عندما نتأمل افعاله, مع انتهاء القرن العشرين وانتهاء الالفية الثانية, كما لو كان مركبا من ملاك وشيطان معا, ملاك يدفعه الى عمارة الارض واختراع اسباب تقدمها, وشيطان يدفعه الى تدمير ما قام به من عمارة واختراع كل ما يقضي على التقدم, ولكن لحسن الحظ, الى اليوم, ينتصر الملاك على الشيطان, ولولا ذلك ما عاشت البشرية لترى نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين, وما شهدت هذه البشرية نهاية الالفية الثانية وبداية الثالثة. ترى هل يدفعنا ذلك الى ان نثق في المستقبل؟ وان نحلم بالمزيد من التقدم؟ وان نتخيل الكثير والكثير من معجزات العلم المفيدة؟ اجابتي بالايجاب, لان ما حققته البشرية الى اليوم, وما استطاع ان ينجزه الملاك في الانسان, رغم كل كوارث الشيطان, يبعث على التفاؤل, ويدفع الى الحلم.