الفاتح من يناير سنة... وعليك ان تتريث قليلا قبل ان يخط القلم رقم السنة الميلادية الجديدة, يكتب الرقم اثنين وأمامه أصفار ثلاثة عن يمين, وقاك الله الأصفار الواقعة على الشمال.ونكتب الكلمات والأرقام مع خيوط الشمس الأولى من أول أيام السنة التقويمية التي يعدها اتباع البابا جريجوري صاحب الروزنامة الميلادية ـ وبحق ـ خاتمة القرن العشرين فيما استعجل القوم في هذا العالم المشوق دوما إلى الجديد فاحتفلوا واحتفلنا معهم بما أسميناه بداية الألفية الجديدة وهي ليست كذلك بحال من الأحوال. والعالم مشوق إلى التجديد, لا بمجرد الرغبة المشروعة إلى الابتكار, ولكن لأن هناك مؤسسات الميديا العاتية وفي مقدمتها مصالح الاعلان المليارية العملاقة, وكلها رأت فرصة الألفية فنقلتها على ألسنة مذيعات التلفاز إلى هضبة الأهرامات في الجيزة, وجلبت مصر فنانا فرنسيا اغرق أعماله بسيل من الطوفان من البروباجاندا واعدا الناس أنه سوف يأتي بما لم يأت به الأوائل وكانت دوائر السياحة في مصر عند حسن الظن إذ جمعت كما لا بأس به ـ فيما نرجو ـ من دولارات الخواجات الذين حشدتهم اساطير السحر وطيوف الخيال عند الاهرامات, وقدم الشاطر حسن (هو أصلا الشاطر ميشيل) الفرنساوي عرضا صاخبا حاولنا ان نتابعه على شاشات التلفاز فكلنا نحتاج إلى مترجم فوري أو بالأدق على فهّامة تتيح لنا ادراك ما يدور في صحراء الجيزة, حيث كانت أدوات الدق والطبل والخبط والرقع ماضية على ودنه, وحيث اختلطت العربية بالانجليزية والفرنسية واختلط الغناء اليعربي بالصخب الخواجاتي بأضواء الكشافات بأشباح الألعاب الالكترونية ولم نكد نتبين من هذا كله سوى بعض أبيات من شدو أم كلثوم, فضلا عن ادراكنا العميق ولا شك ان ثمة صروحا ثلاثة كانت هي الشيء المؤكد والمفهوم والمستساغ في كل هذه الهيصة ـ الزمبليطة الألفية, وهي البنايات العملاقة التي شادها كل من العم خوفو والعم خفرع والعم الأصغر منقرع منذ أكثر من أربعة آلاف عام من عمر الزمان على العكس من كل هذا الصخب, جاءت استجابة الأخوة في كوبا الذين أصموا السمع عن ضجيج الاحتفالات على مرمى حجر أو على مسافة عقدة بحرية أو عقدتين من شواطئ فلوريدا الأمريكية ومن ثم قررت كوبا عدم الاحتفال بحكاية الألفية لماذا؟ لأنها لم تحن بعد وان الحسابات الرياضية , تقول كما لا يخفى على علمك ان موعدها هو في قابل الأيام من العام المقبل فهل رأيت دلالا أكثر من هذا أم ان الأمر يرجع في كوبا إلى ضيق ذات البيزو أو الدولار؟ ان في حكاية الألفية الثالثة نغما أي نغم, فظلت تدق على وتر أول يناير سنة ألفين بوصفه فاتح الألف الميلادية الثالثة, وكان الدق ـ يعلم الله ـ على وتر الخطأ الشائع وعلى حساب الصواب الرياضي الحسابي الأصولي المعزول والمهمش والمهجور وكان ان انتصر الخطأ وانزوى الصواب وغربت شمسه مع أفول آخر أيام 1999, تأمل كيف كانت كتابة أرقامه من السهولة بمكان ـ ما عليك إلا ان تخط خطا مستقيما هو الواحد وعن يمينه ترسم التسعات الثلاث تكررها دون ان تنظر إليها أحيانا وان كانت ـ التسعات ـ قد وجدت من يقف عندها مليا ويطلق من حولها صواريخ نبوءات لم تتحقق أي منها لحسن الحظ وكنا وقتها في زيارة عمل لأمريكا, وكان الضيف على مفرج الكروب ويشرع في حديث بغير طعم ولا سلطان مبين حول مشاريع إلى مشاريع نوى ان يعملها في الألفية الجديدة. ولسنا نشك في ان الأمر كان على هذه الصورة بالنسبة لحكاية الألفية التي ربما راقت حروفها وحلا ايقاعها في الأسماع المرهفة لدى مذيعات القنوات العربية, وفي كل حال فلسنا ـ نحن أبناء الأجيال المعاصرة ـ نملك (الفية) سواها اني هي ألفيتنا الوحيدة التي نعيشها طوال حياتنا وقد انفردنا دون أجيال سبقت بأن عشنا غروب قرن وعايشنا مشارف قرن جديد. ولولا حكاية الألفية لما سمع العالم ان هناك دولة ـ أي نعم دولة اسمها تونجا تقع جنوبي المحيط الهادي يعني في منطقة النفوذ البحري والسياسي الواقعة بين نيوزيلندا المشهورة ـ كما تعلم ـ باللحوم وبين استراليا. وقد ذاعت شهرتها زمان ولا ندري لماذا بحكاية البغل الاسترالي. وأصل الحكاية ان تونجا قد أصبحت بنعمة الله عضوا في الأمم المتحدة رأسها برأس أمريكا وفرنسا والصين على سن ورمح وذلك بفضل تأكيد القانون الدولي على مبدأ تساوي الدول في السيادة, الأخوة في تونجا هذه كانوا أول من احتفل بأولى لحظات الألفية الجديدة أذ انهم يسبقون ـ شوف الحظ السعيد ـ توقيت جرينتش بـعدد 12 ساعة بالتمام والكمال, أين منهم الأخوة في تاهيتي في أقصى منطقة الساحل الغربي للولايات المتحدة الذين لم تسعدهم الاحتفالات إلا بعد 24 ساعة من أبناء تونجا, لأن تاهيتي متأخرة عن خط جرينتش الزمني بعدد12 ساعة أخرى. ثم تباينت أشكال الاحتفالات على أديم الكرة أو القرية الالكترونية التي نسميها العالم, وان كان قد سادها أساسا اطلاق الألعاب النارية ثم اتسمت في العالم الإسلامي بقدر معقول من الحشمة أو الوقار أو قل التحفظ أو هو الحياء من شهر رمضان كتر الله خيره. مع ذلك فقد أرادت مصر المحروسة ان تستغل موعد النبوءات هو يوم خميس صادف خمس تسعات إذ كان يوافق يوم التاسع من الشهر التاسع (سبتمبر) من سنة تسعة وتسعين للميلاد, وكذب المنجمون وجاءت كذبتهم يومها على طول الخط فلا هم صدقوا (بالقاف) ولا أسعفتهم مصادفة تبيض معها وجوههم وأبراجهم, ولو إلى حين. المهم ان العالم احتفل ـ يا مولانا ـ بحكاية الألفية, وكنا قد ضقنا ذرعا بهذه الحكاية بعد ان أصبحت حديثاً مشاعاً, وباتت أمرا مكرورا مثل علكة اللبان الجاوي في أفواه مذيعات التلفاز في فضائيات العرب, كل منهن تعمد إلى ضيف مؤدب مهذب, قد يكون عالما نحريرا أو أديبا متضلعا أو مسئولا عن وزارة أو ادارة أو سفارة, فتجلسه أمامها على كرسي وثير وقبل ان يبتلع المسكين ريقه إذا بالمذيعة اللهلوبة ـ كما يقول المصريون ـ تطلق عليه سهام السؤال الممل المكرور ـ وسيادتك ناوي تعمل إيه (أو ماذا) في الألفية الجديدة. لحظتها يكتشف الضيف الهمام انه ليس ناويا على شيء وان الألفية الجديدة لم تخطر على باله, دع عنك ان يكون مستعدا لأن يعمل فيها شيئا ما ولكنه أمام بريق العدسة التي تحدق فيها كعيون راصدة, متربصة شريرة, في بعض الأحيان يجد نفسه فجأة مطالبا بأن يقول شيئا أمام المذيعة التي تصورت انها جابت الذئب من ذيله بطرحها السؤال اياه. بعدها يتوكل. مع ذلك فقد وقفنا مليا بعين التأمل أمام احتفال السنغال التي عمدت إلى اقامة نصب تذكاري في احدى جزرها في الأطلسي رمزا احتفلت به كما سماه نقل العبيد من غابات السنغال وغرب أفريقيا إلى مزارع أمريكا ومصانعها خلال عهود الاستعمار والاسترقاق التي مارس الغرب فيها أبشع عمليات الاستغلال للبشر, ومازالت ندوبها جروحا لما تندمل في بنية المجتمع الامريكي المعاصر. كان تأملنا أمام صنيع السنغال ليلة الألفية مفعما بالشجن والعبرة والغضب التاريخي المكتوم ازاء ما وقع عبر ألفية سبقت من استغلال الانسان للانسان, أين هذا أيضا من رفض كينيا حكاية الاحتفاليات صاخبة أو هادئة إذ رفع القوم بالأمس القريب شعارا يقول: نحن في شغل عن أمر مشاكلنا واعباء حياتنا ولا وقت لدينا للاحتفال, والالفيات كثيرة وربما تكون على قفا من يشيل, وان لم نحتفل بهذه الألفية فقد نوصي أخلافنا باحتفاليات الألفية المقبلة شريطة ان يكونوا قد حلوا مشاكل التضخم والتخلف وفساد المسئولين وانعدام الأمن وزعزعة الاستقرار, هكذا تعددت الاستجابات وتنوعت الاحتفالات والألفية واحدة. وعندنا ان أسوأ ما كان فيها هو هيمنة الثقافة بالأدق أساليب السلوك الأمريكية على معظم احتفالات العالم من حيث الصخب الشديد ولعلعة الميكروفونات وخلط النشيد حتى لا تعرف من يغني ماذا ولماذا؟ لكن لعل أطرفها هو الأسلوب الفريد الذي لجأت إليه جماعة من لصوص أصدقائنا الانجليز انتهزوا فرصة الافراح الألفية والليالي الملاح القرنية فأحدثوا فتحة في السقف الزجاجي لمتحف صغير في مدينة اكسفورد الجامعية الشهيرة قرب لندن وسرقوا لوحة ثمينة للعبقري الفرنسي سيزان يقدر ثمنها ـ كما لا شك تعرف بمئات الآلاف من الدولارات.