من يقترب من عاصمة ميانمار القديمة,, باغان, قبيل الفجر يطالعه شيئان وسط السهول التي لفحتها الشمس: معابد مهدمة واشجار نخيل باسقة. بالنسبة لكيويت, الذي يبلغ من العمر 56 عاما, قد تكون المعابد مصدر دهشة وانبهار, الا ان اشجار النخيل هي مصدر رزقه . كيويت وافراد عائلته يعملون كأيد عاملة لتسلق اشجار النخيل كل يوم لاستحلاب عصائرها, ثم تحويل العصير الى شراب حارق, او لصنع الحلوى الوطنية (جاغري) , وهو نوع من السكر الاسمر. صباح يوم لم يمض عليه وقت طويل, وبعد ساعة واحدة من طلوع الشمس كانت السهول قد تحولت الى ما يشبه الفرن. ليست هناك اشجار ظليلة في اي مكان لان الحكام القدامى قطعوها واستخدموا اخشابها لبناء الالفي معبد التي اشتهرت بها مدينة باغان, وحول العاصمة قبل مايتراوح من 800 والف سنة. ويعتقد المؤرخون ان هذا التخريب للبيئة قد اسهم في اندثار الحضارة القديمة للمنطقة. واليوم تتناثر المعابد المهدمة على مد النظر في كل اتجاه وتشكل مشهدا بانوراميا رائعا, غير ان المدينة نفسها ليست اكثر من مجرد محطة للسياح. انما تجارة كيويت تبدو تقليدية وقديمة قدم تلك الانصاب, ووجه الملفح. ويقول كيويت وهو يجول بناظريه على مئات اشجار النخيل: الحياة بالنسبة لنا لم تتغير كثيرا. كنت اتسلق اشجارا بارتفاع 30 مترا الا انني لم اعد قادرا على تسلق الاشجار العالية والكثيرة لانني اصبحت متقدما بالسن. في موسم الجني يجمع كيويت وابنه ثان مينت (30 سنة) العصير من اكثر من 100 شجرة يملكها مزارع يقيم في احدى ضواحي باغان. انهما يستعملان سلما في قصب البامبو لتسلق الاشجار في ساعات البرود النسبي صباحا او في المساء لقص براعم النخيل بسكين فيرشح منها العصير ويصب في حاويات فخارية سعة نصف جالون. وبعد ايام قليلة يعود الاب والابن الى نفس الاشجار لجمع الاواني المليئة ويتركان مكانها حاويات فارغة لجمع المزيد من العصير, وهما لايستطيعان تسلق مايزيد عن حوالي 20 شجرة يوميا في موسم الجني الذي يدوم ثمانية اشهر. وبصورة عام تدر الشجرة الواحدة اربع او خمس حاويات من العصير المسمى (تودي) في كل جولة تستغرق خمسة ايام مما يكفي صنع (فيس) واحد اي مايوازي 106 كيلوجرامات من الحلوى. ويحمل الرجلان الحاويات على طرفي قصبة بامبو الى كوخ صغير مصنوع من سعف النخيل حيث تتولى النساء طبخ العصير في طناجر كبيرة من الحديد. وتقوم ماهلا, زوجة مينت, بصب العصير الابيض في ثلاث طناجر فيما تقوم نساء اخريات بتحريك رغوة التودي الفائر بمقاشط كبيرة. وينبغي غلي عصير التودي الحلو فورا قبل ان يحمض ويتحول الى شراب لزج سميك يمكن تخزينه بانتظار صنع الجاغري, اما العصير الذي يجمع في فترة بعد الظهر ويخمر بالخميرة فيتحول الى شراب مسكر قوي الرائحة. وتستعمل الفروع والسعف الشائكة التي تقع مهمة جمعها على اطفال العائلة كوقود للمواقد, وحرارة هذه المواقد مع حرارة الجو في الخارج تجعل المكان لايطاق. وتقول ثان اي, ابنة حيويت البالغة من العمر 22 سنة, ان الفروع والسعف توفر الحرارة المطلوبة لصنع الجاغري, وقد لانحصل على القوام الضروري اذا استعملنا الغاز او الفحم لطبخ عصير التودي. وتظل العائلة مشغولة بتسلق اشجار النخيل وصنع الجاغري طيلة ثمانية اشهر ابتداء من شهر مارس كل سنة, وفي نهاية الموسم يبلغ المحصول 1600 فيس من الجاغري قيمة كل منها 80 كيات (25 سنتا) ويحصل صاحب الاشجار على 500 فيس منها. وفي الاشهر الاربعة التالية تتحول العائلة الى زراعة الفول السوداني (الفستق) او السمسم ومهما يكن من أمر, الحياة هنا, فالعائلة تحتاج الى ستة كيلوجرامات من الارز يوميا, مايعادل ثمنه (دولارين و 30 سنتا). بعد عشاء بسيط مؤلف من الارز والخضار المسلوقة وكاري الفاصولياء داخل كوخ يضيئه مصباح الكاز, تخلد العائلة الى النوم في الساعة الثامنة مساء, وعلى افرادها ان يبدأوا تسلق الاشجار مع طلوع الفجر. (خدمة ا. ب) من اليمين, كيويت وابنه ثان مينت وجارهما شاو زوري يبتسمون خلال مقابلة صحفية معهم بعد اتمام الجولة الصباحية لجمع عصير اشجار النخيل في باغان.