كل عام وانتم بخير..وهنيئاً لكل من حالفه الحظ فعاش هذا الزمن وهذه اللحظة بالذات ليشهد هذا العبور التاريخي العظيم.. فالانتقال من قرن الى قرن هو بكل المقاييس حدث ليس كبقية الاحداث ألا يكفي انه لا يحدث سوى مرة واحدة كل مئة عام؟ أما الانتقال من ألفية الى ألفية فهو حدث الاحداث الذي لا يتكرر سوى كل ألف عام . لا أعلم ان كان هذا العبور قد تم بسلام تام كما أتمنى ويتمنى كل الخيرين في الارض, ام ان زلزالاً هائلاً قد رافق هذا الانتقال كما يحاول البعض ان يرسم لنا الصورة قبل الحدث, فأنا اكتب هذه المقالة في اليوم الاخير من الشهر الاخير من العام الاخير من القرن الاخير من الالفية الثانية.. أكتبها ويراودني احساس بأنها أشبه ما تكون بالوصية أكثر منها خواطر سوف أقرأها معكم في اليوم الثاني من الشهر الاول من العام الاول من القرن الاول من الألفية الثالثة, ورب قائل يقول انه كان بإمكاني أن أكتبها في اليوم الاول من يناير وقد اتضحت الصورة وانجلى الموقف, فأقول وأين الاثارة في ذلك؟ وما المانع ان نلحق بركب نوستراداموس واقرانه من العرافين الذين يجدون لنبوءاتهم سوقاً رائجة هذه الأيام؟ أليست هي فرصة العمر التي لا تتكرر؟ ورغم أنني لم اكتب وصية في حياتي ـ ولن أكتبها بعد بالطبع ـ فإنني أشعر بأن هذا الاحساس مختلف عن تلك الحالة التي تطغى على كتبة الوصايا فتضفي عليهم رداء من الزهد والتجرد من مباهج الحياة وتمثل انفسهم في مسوح النساك والزهاد, الامر الذي لا أجد له أثراً لدي, غير ان ما يجمعني بهم هذه الرغبة الجامحة في اعتلاء منبر الخطابة وارتجال خطبة ابز بها خطب البلغاء من أيام قس بن ساعدة الايادي صاحب اختراع (أما بعد) الى أيامنا هذه, أو دبج رسالة دونها رسائل عبدالحميد بن يحيى (المشهور بالكاتب) ذلك الذي قيل فيه (فتحت الرسائل بعبدالحميد) , او نظم معلقة تكتب بخيوط الذهب على الحرير المصري فتدخل قاموس (المذهبات) السموط, غير ان الاسترسال في احلام كهذه انما هو من مخلفات القرن الماضي والقرون الخوالي السالفات, فما بال هذه الافكار تلقي بظلالها على عقلي وتفكيري فلا أكاد أنفك من أسرها بينما عقارب الساعة تمضي سريعاً لتغير مكونات خانة الارقام الأربعة الاخيرة من التاريخ في عملية انتقال يغلب عليها الجانب النفسي ـ في تقديري ـ اكثر مما تخضع لقوانين العقل والواقع والمنطق؟ والا فما أكثر ما احتفلنا ـ او مررنا على الاقل ـ بنهايات اعوام وبدايات اعوام دون أن يرافق كل ذلك هذا التحضير المسبق والتسخين الذي بلغ ذروته اليوم ـ يوم كتابة هذه المقالة ـ ليضفي على المشهد جو الاثارة المطلوب وفق مقاييس الاخراج السينمائي الذي سجل انتصارات هائلة على مدى سنوات القرن العشرين المئة المنصرمة. سوف اكون متفائلاً الى اقصى درجة ممكنة وأتوقع ان نكون قد عبرنا علة القرن التي عايشنا أزمتها خلال العام الاخير من القرن الغارب فلم تقف اجهزة الحاسوب في العالم عاجزة عن قراءة الرقم الجديد لتستمر الاجهزة الطبية في المستشفيات تعمل بنفس الكفاءة كي تنقذ ارواح الملايين من البشر في شتى انحاء المعمورة, ولتحفظ ذاكرات البنوك ارقام حساباتنا فلا يتبدد شتاء العمر وجهد السنين على تواضعه وضآلة حجمه, ولتبقى الطائرات سابحة في فضاء الله الرحب تنقل العباد على بينة وبصيرة فلا تتصادم في الجو او تفقد خطوط الاتصال مع ابراج المراقبة في المطارات فتذهب الى غير رجعة وتزهق ارواح ركابها ملقية بأجسادهم الى بطون الاسماك والحيتان في اعماق البحار او تنثرها اشلاء على رؤوس الجبال وفي الأودية, أما الأهم من ذلك كله فهو ان لا تفقد ازرار الانطلاق ذاكرتها وعقلها في اجهزة الدمار وقواعد الصواريخ حاملة الموت النووي والذري وأسلحة الفتك التي تفنن البشر في صنعها وتخزينها على مختلف الاشكال كي تكون وسيلتهم للسيطرة على العالم وفرض سيادتهم على بقية الناس اخوتهم في الانسانية وان اختلفت الالوان وتغيرت الصور وتباعدت الاماكن فلو حدث ذلك ـ لا قدر الله ـ لكان قمة المأساة والتراجيديا التي لم تبدعها اقلام اشهر كتاب الملاحم في القرون السابقة واللاحقة, ان كان ثمة قرون لاحقة بعد ذلك. ولئن كان الانسان قد عاش طوال القرون الماضية يبني حضارة وصلت اوجها من الازدهار اليوم فما أسوأ ان تكون جرثومة انهيارها كامنة في خلايا جسدها, تمثلها هذه الترسانات الكريهة من أسلحة الدمار الشامل يتحكم فيها بشر ليس هناك من يأمن تقلب أمزجتهم ولا تحول مصالحهم ناهيك عن اجهزة حاسوب ننظر اليها بكثير من الشك والريبة غير واثقين من قدرتها على عبور هذا الخط غير المرئي من القرن العشرين الى القرن الحادي والعشرين. أكتب عن ذلك بكثير من الأمل والتفاؤل بينما أضع يدي على قلبي حتى نعبر هذه الاجزاء الدقيقة من الثانية ونحس بأننا قد وضعنا أقدامنا على شاطىء الامان بعد كل هذا الرعب الذي عشناه خلال العام الاخير من القرن الماضي, وقد كنا في غنى عنه لو أننا وضعناه في الحسبان ونحن ننطلق كالصاروخ نحو المزيد من التقنية والاختراع والاعتماد على الآلة في كل شأن من شئون حياتنا حتى لا نجد أنفسنا وقد وقعنا في مأزق لم نحسب له حساباً ونعلم ـ غير مكابرين ـ ان فوق كل ذي علم عليم. اما اكثر جوانب الصورة ايلاماً واشدها قسوة فهو هذا الذعر الهستيري الذي تعيشه دول الغرب من أقصاه في الولايات المتحدة الى أدناه ووسطه في بريطانيا والمانيا وفرنسا وبقية دول اوروبا من احتمال وقوع اعمال ارهابية ليلة الألفية الجديدة. ورغم ان الارهاب لا وطن له, وأشده هو ارهاب الدول الذي لا تحمل المذكورة صك براءة منه الا أن ارهاب الألفية قد ألصق ـ كما جرت العادة دائماً ـ بالمسلمين والعرب فاتخذت الاجراءات الاحترازية لمواجهة احتمالات وصول طرود بريدية مفخخة من المنطقة العربية الى تلك الدول, واعتقل العديد من الاشخاص من ذوي السحنة العربية المكروهة في الغرب لتوجه اليهم تهم التخطيط والتآمر والتحضير لهجمات ارهابية ليلة الألفية يفسدون بها على العالم المتحضر متعة الاحتفال بهذه الليلة, كأني بهؤلاء الساهرين لم يكفونا في كل عام مؤونة ذلك فتطالعنا صور الدمار الذي يلحقونه بالساحات الكبرى وهم سكارى مخدرون غائبون عن الوعي, ومناظر أندية الرقص والسهر المحترقة بمن فيها نتيجة هياجهم وخروجهم على كل قوانين العقل والاخلاق والفطرة. وبين اجراءات الامن الاستثنائية التي اتخذتها دوائر الشرطة والأمن في الغرب والاسعار الخيالية التي وضعتها المطاعم والفنادق حتى وصل بعضها الى ستة آلاف جنيه استرليني للشخص الواحد وجد الكثيرون مبرراً منطقياً وسبباً مقنعاً لقضاء ليلة الألفية في بيوتهم بعيداً عن أخطاء اجهزة الحاسوب واصطدام الطائرات في الجو, وفي مأمن من الهجمات الارهابية التي تروج لها أجهزة الأمن وتلصقها بنا شئنا أم أبينا. المهم أننا قد عبرنا الألفية الثانية الى الألفية الثالثة بسلام تام او بعض سلام, بدليل اننا نقرأ مقالة من القرن الماضي لنكتشف في النهاية ان كل ظواهر عصرنا هذا والعصور القادمة ما هي الا ظواهر اعلامية تلعب وسائل الاتصال الدور الاكبر في تضخيمها واضفاء هذه الهالة عليها, والا فقد عبرت البشرية قبلنا قرونا عديدة بلغت اعوامها الألفين, ينام الملايين من البشر ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر كما اعتادوا ان يناموا كل ليلة, وينهضون من نومهم صبيحة الاول من يناير دون ان يشغلوا انفسهم بفلسفة هذه الليلة وتحميلها اكثر مما تحتمل وتمييزها عن بقية الليالي, وهذا ما أنوي ان افعله انا واتمنى ان تكون قد فعلته انت. تصبحون على خير