من الكتاب الذين ألفهم قارىء (البيان) وارتبط بهم لكونهم من مكونات الجريدة, تواصلوا معها ـ القارىء والكاتب ـ في سنوات عمرها المختلفة, ومن ثم اصبح هؤلاء الكتاب جزءا من القارىء شكلوا ثقافته ومتعته الفكرية وتطلعاته . من هؤلاء القلة, الاستاذ محمد الخولي, اقول القلة, لأن السائد في اغلب الصحف الخليجية تحديدا, هو حال التغير وتبدل كتابها, فقليلا ما تجد مطبوعة تحافظ على كاتبها عدة سنوات, او كاتب يحمل الولاء والانتماء لجريدة ولايتبدل نحو اخرى. محمد الخولي واحد من الذين ينتمون الى هذه القلة, لا اعلم متى عرفته (البيان) ولكنها علاقة اظن ان عمرها اكثر من 15 عاما. يصعب ان اتحدث عن الخولي, فشهادتي فيه مجروحة بحكم الزمالة ـ والاصح الاستاذية في هذه الصنعة وتجارب رجل مثله ـ وايضا حكم المكان الذي يجمعنا ونلتقي فيه. اقول فيه فقط: انه مدرسة في الحب والاخلاص لصنعة الصحافة والكتابة, هذه مدرسة للأسف ولسوء حظ اعلامنا العربي انقرضت او على وشك, فهو من جيل مسرف في العطاء للمهنة التي ينتمي لها, فرغم هذا المشوار الطويل في بلاط صاحبة الجلالة الا انها لم تتحول عنده الى عمل روتيني يشعر صاحبه بالتعب والملل والتشبع, فلم يحولها الى مجرد مهنة ولم يعاملها باستخفاف وكبرياء من منظور معلم يحترف اتقان فنونها يشعرك انه لايزال هاويا, عاشقا لها, يمارس حبه ومتعته فيها, وانها جزء منه, من سعادته, ومن حياته. قارىء (البيان) يعرفها ويميزها بلونها البرتقالي, هذا قالبها وخصوصيتها, وايضا يعرفها بـ (كتاب البيان) هذه اهم خدمة قدمتها (البيان) ورسخت في اذهان القراء. كثير من الاستفتاءات التي قامت بها الجريدة, وشرائح متنوعة ومن اجيال مختلفة, تلتقي بهم, ويجمعون على ذلك. نشر الكتاب لحظة صدوره في اية بقعة من هذا العالم الواسع, اصبح عملية سهلة بوجود شبكة الانترنت وانتشار المواقع المختصة بصناعة وترويج الكتاب, وفي ظل الثورة المعرفية التي نعيشها اليوم, لكن هذه العملية قبل عشر سنوات كانت شاقة, تحتاج الى زمن حتى تسمع عن كتاب جديد ومختلف, وزمن اطول حتى تصل الى الدار الناشرة او المكتبة التي يمكن ان تزودك به, والى ازمان حتى يصلك الكتاب, الاستاذ الخولي اختصر المسافات والزمن, وساهم في تثقيف القارىء العربي وربطه بالثقافات الاخرى, فمن عالم (امريكا) الواسع كان ينتقي المفيد, وكان قارىء (البيان) على موعد مع كتاب جديد كل اسبوع او اسبوعين او في مطلع كل شهر, ويصدف ان يقرأ كتابين مختلفين في اليوم الواحد, لانهما صدرا في ذات الوقت, ووجد الخولي ضرورة ان يقدمهما للقارىء وهما (طازجان) كبر وتوسع مشروع (كتاب البيان) وساهم في اثرائه واستمراريته, المرحوم الاستاذ مصطفى كمال وايضا فكري بكر وكامل يوسف, حتى اصبح (كتاب البيان) من ثوابت الجريدة ومن المكاسب التي يعتز بها وينتظرها القارىء في مطبوعته اليومية. مطلع هذاالاسبوع تصفحت كتابا قديما, ركنته اسفل المكتبة يحمل عنوان (قضايا وافكار معاصرة) شعار (البيان) الذي يزين كعب الكتاب واسم الاستاذ الخولي, جعلاني اقبل على قراءته, انه كتاب صدر في عام 1989, ويتحدث عن عشرة كتب قرأها العالم انذاك. كتب قديمة لاتضيف جديدا لقارىء اليوم, قلت سأكتفي بمقدمة المؤلف, فوجدتني ابحر معه في الكتاب الاول, والثاني وتمر الليلة الاولى, ويقترب الاسبوع من نهايته, ولم اقرأ الا اربعة من مجموع عشرة كتب. ملخصات لكتب منوعة في شئون شتى, فمنها سياسي الطابع ومنها ماينتمي الى حرفة الادب, وآخر في علم المستقبليات, ورابع عن البيئة ومافيها, ورغم انها مؤلفات صدرت قبل عشر سنوات, الا انك عندما تقرأها اليوم, تشعرك انها حديثة وانها تخاطب عصرك هذا. ذات القضايا والهموم التي طرحت قبل عشر سنوات يجمعها حد النقيضين : الواقع والمأمول, الاخطار والاحلام والامنيات. الذي تغير فقط ان الاولى تكبر وتزداد, والثانية تضعف وتتضاءل! في كتاب (تقرير عام 2024) مختصر تاريخ المستقبل 74 ـ 2024 لمؤلفه الصحفي البريطاني نورمان ماكراي, اعادة قراءة وتقييم احداث السنوات الماضية, ومحاولة استشراف المستقبل, يحاول المؤلف ان يأخذ القارىء معه الى القرن الجديد, يجعلك تنظر من هناك الى التاريخ (نحن الان في عام 2024 للميلاد) ماذا يحكي المؤرخون الاقتصاديون حين يكتبون عن سنة 2024 عن احوال النصف الثاني من القرن الماضي ـ القرن العشرين ـ سيقولون ان الاجداد عاشوا في خمسينيات القرن العشرين في ظل ثلاثة اشكال من الحكم او من الانظمة السياسية, اطلقوا على كل منها اسما يوافق اهواءهم: الديمقراطيات الغنية, الدول الشيوعية, العالم الثالث, يقولونها بشيء من الاستخفاف. يتابع المؤلف وصفه لنظرة الجيل الجديد نحو الماضي (في الديمقراطيات ـ او هكذا يسمونها ـ كان الناس يشاهدون التلفزيون العتيق, تصور كان التلفزيون يستقي صوره وبرامجه من محطات واستديوهات الارسال الوطنية ايام زمان, اين هذا البث المحدود من تلفزيون ايامنا هذه (2024) الذي يرسل لك برامجه حرة طليقة من اي مكان في الكرة الارضية لتصلك وانت في بيتك عبر جهاز الكمبيوتر الخاص بك والمتخصص بالاتصالات السلكية واللاسلكية هكذا تخيل ماكراي قبل عشر سنوات الواقع الذي سيكون عليه انسان المستقبل بعد ربع قرن, لم يعلم ان الثورة التكنولوجية اكبر من حدود الخيال, فتحققت نبوءته قبل موعدها بزمن طويل, بل وصلت الى مستوى يصعب ان يصدقه ويواكبه عقل انسان اليوم , لا انسان ماقبل عشر سنوات. يتحدث المؤلف في جزء اخر من التقرير عن حسابات الاحتمالات المعالجة بالكمبيوتر ان التسعينيات ستشهد مئة قنبلة ذرية مملوكة لبلدان هنا وهناك منها طبعا بلدان العالم الثالث على ان الصورة عام 1990 ستكون اشد قسوة, فعدد سكان العالم سيكون خمسة مليارات نسمة منهم 3 ـ 5 مليارات انسان يعيشون في ظل دخل فردي يقل عن 750 دولارا في السنة على سبيل المقارنة ليس الا سيكون دخل الفرد السنوي في الولايات المتحدة واوروبا الغربية واليابان هو 15 ألف دولار! هذا عن المستقبل ونحن في منتصف الطريق نحو بلوغه, فان صورة الواقع اكثر سوادا, فتقرير مكتب التحليل الاقتصادي الامريكي يذكر في دراسة صدرت عنه منتصف هذا العام, ان دخل الفرد اليوم في دولة مثل اثيوبيا وقف عند رقم 120 دولارا, وفي موزمبيق وصل الى 80 دولارا, اما اعلى المداخيل فصعد الرقم الى اكثر من 50 الف دولارا في مدينة مثل فيرفيلد بالولايات المتحدة, والى مايزيد على 68 الف دولار بنيويورك. وهكذا يواصل ماكراي حساباته, وتخيلاته لاقتصاديات وسياسات دول المستقبل, واحوال انسان سنة 2024, ورؤاه لذلك الزمن (لاعجب ان يشهد عام 2024 ذهاب اطفال الى سوق العمل, وتقاضيهم اجورا ولما يزالون في الثانية عشرة من العمر, ولا احد يرفع محتجا شعار استغلال الاطفال في العمل, فهم يؤدون العمل الالكتروني في يسر وألفة, اكثر من الكبار وهم لايرهقون ابدا, ففي بطن الكمبيوتر كميات هائلة من المعلومات والبيانات والمعارف المتاحة للقاصدين والطالبين في اي لحظة وبأسهل وسيلة, هل تعرف اذن اين الكبار, اين الاباء والامهات؟ بعضهم عاد الى مقاعد الدراسة يستكمل معارفه ويحاول لاهثا بالطبع ان يتابع الاشواط السريعة التي يقطعها الكمبيوتر مع مطلع كل شمس) ويطوف المؤلف في شئون وعلوم شتى تحدث في ذلك الزمن المقبل عن جديد الطب والجينات. وعن الزراعة ومشاغل الناس, واهتماماتهم. الكتاب التالي عن سرقة وطن, يحمل عنوان (الكارثة الفلسطينية, عندما تم في عام 1948 طرد شعب من وطنه) مؤلف الكتاب الدكتور مايكل بالومبو هذا مؤلف يشعرك بحجم الثقب الواقع في الذاكرة العربية ما أسرع ما ينسى الانسان العربي, ينسى الاشياء التي يفترض الا تنسى, ينسى حقوقه, وينسى كيف ينكر عدوه, ينسى وجوده وينسى مستقبله. يقول المؤلف في بداية الكتاب عن الغرض منه (انه لايكتب عن انشاء اسرائيل, ولا عن مشكلة فلسطين, بل يكتب عن طرد شعب بأكمله من وطن آبائه واجداده) . يذكر الخولي في تقديمه للكتاب: من المهم ملاحظة ان الكتاب لم يصدر عن دار للدعاية, ولا مؤسسة عربية او حتى مدعومة عربيا, فضلا عن ان يصدر مثلا عن هيئة قومية مثل منظمة التحرير, ولكنه صادر عن دار رصينة محترمة للنشر في بريطانيا. لم تتبق مساحة في هذه الزاوية للابحار في كتاب شيق موجع مثل هذا, او في بقية الكتب الاخرى التي ضمها المؤلف. ليت الاستاذ الخولي يكتب وهو المتمرس والمخضرم في عالم الكتب والترجمات عن افضل كتاب او كتب لاتزال تسكنه وتسحره صدرت في حقبة هذا القرن الآفل.