الحارة مرتكزي ومنطلقي إلى الأفق القاهري, إلى مصر, إلى العالم, ولأن أقدم صورة في وعيي ترتبط بها من الطبيعي أن أبدأ منها عند أي تداعيات أو مسعى. كان ذلك زمن حرب فلسطين, عام ثمانية وأربعين من القرن المنقضي غدا, ليلة غامقة, نمزج من مسكننا فوق السطح , أضواء كاشفة تتحرك في السماء مبثوثة من الأرض بحثا عن الطائرات المعادية, إنها الغارة الجوية الوحيدة التي قام بها سلاح الجو الإسرائيلي على القاهرة, قدر لي أن تحتفظ ذاكرتي بوقعها, بتأثيرها على ذاكرتي, أما ما قبل ذلك فلا أثر له في وعيي, اتجهنا إلى الطابق الأول حيث تسكن عائلة ربما من مدينة طهطا التي كانت جهينة قريتنا تتبعها إداريا قبل أ ن تستقل وتصبح مدينة في الستينيات. النساء في حجرة, والرجال في حجرة, بالطبع كنت أجلس قريبا من الوالد رحمه الله, وكان جارنا في الطابق الثالث أحمد الهجرسي يتحدث عن شقيقه الذي يحارب الآن في فلسطين متطوعا مع جماعة الأخوان المسلمين, في الحجرة مذياع كبير الحجم, مصباح صغير يضيء لوحة المؤشر التي توضح المحطات, كان عدد الأجهزة في الحارة قليلا, وفي البيت الذي نسكنه لم يكن سوى مذياعين, الآخر عند السيدة روحية التي تسكن تحتنا مباشرة, كان الرجال ينتظرون نشرة الإذاعة البريطانية التي يبثها مذيع شهير بالأخنف, لا أذكر صوته, كنت ألتصق بالوالد مصغيا إلى الحاضرين, إلى نداءات متطوعي الدفاع المدني مطالبين السكان بإطفاء الأنوار, الغارة لم تنته بعد. قرب الفجر نصعد إلى السطح حيث نقيم. السطح, مرتفع نسبيا, خمسة طوابق كانت تعد مبنى مرتفعا وقتئذ, كنت ألعب فوقه قبل التحاقي بالمدرسة عام واحد وخمسين, حفظت معالم القاهرة من خلال الأفق, إلى الشرق تبدو تلال الدراسة والتي يسميها الأهالي جبالا لأنهم لم يروا الجبال الأشد ارتفاعا, خلفها يقوم المقطم, تلال الدراسة ناتجة عن إلقاء القمامة خلف سور القاهرة ومع اختلاطها بالتراب والرمال بدأ تصلبها, بعد ثورة يوليو نشطت الدعاية لمشروع تشجيرها, وغرست مئات الاشجار بالفعل, لكنه تعثر, ثم أنشئت حديقة الخالدين في الستينيات, وفوق أرضها أقيمت في الثمانينيات والتسعينيات دار الإفتاء, ومبنى مشيخة الأزهر. إلى الجنوب تقوم المآذن الشاهقة, مآذن السلطان حسن, والرفاعي, والمؤيد, وقمة الخلفية القاهرية مآذن مسجد محمد علي عثماني الطراز, كان الشرق يعني بالنسبة لي الخلاء والموت, فالمقابر هناك, وإليها يمضي الوالد لزيارة أشقائي الراحلين والمدفونين هناك, وللأسف لا أعرف الطريق إليهم الآن, كانت تقوم في الفراغ مئذنة قايتباي, وإلى جوارها القبة, أرشق مآذن العالم لإسلامي وأجملها, أما العلاقة بينها وبين القبة فلا مثيل لها في التوازن والتناسق, قايتباي مثير للرهبة عندي, بالنسبة لي كان أقصى حدود العالم وقتئذ, وعندما دخلت المدرسة الإعدادية دهشت عندما أخبرني زميل لي أنه يسكن قايتباي, منه علمت أن كثيرين يقيمون في المقابر (الحيشان), كان ذلك مثيرا لي, في منتصف الخمسينيات افتتحت سينما في المنطقة اسمها الصقر الفضي (تحولت إلى مسرح الآن) كانت تتوسط مدينة البعوث الإسلامية التي أنشئت بعد الثورة لطلبة الدول الإسلامية الذين يدرسون في الأزهر, كانت بديلا للأروقة الأزهرية التقليدية, كانت هذه المنطقة تعرف بيننا نحن سكان الجمالية بأرض الخفير, أو ملاعب شيحة, وكلها مرتبطة بالبعد الشديد عندي, روى الوالد الكريم أن أحد معارفه من مقهى فندق الكلوب المصري جاء إليه في الثلاثينيات ونصحه بشراء ألف متر في الدراسة بجنيه, بواقع مليم واحد لمتر الأرض المربع, غير أن الوالد لوح بيده ساخرا: وأنا مجنون أرمي جنيه في الجبل. بمقاييس الوقت كانت الدراسة بعيدة في ذلك الوقت لمن يقيمون في الجمالية أو حول مسجد مولانا الحسين, كان الطريق إلى أرض الخفير متربا, لم يكن مرصوفا, وفي هذه المنطقة أقيمت مصلحة سك النقود حتى تكون في منطقة نائية, ودبر الآباء الدومينكان الذين اعتادوا إقامة مقارهم عند أطراف المدن, يوم ما صحبت الوالد إلى أرض الخفير لحضور احتفال المولد النبوي, كل وزارة تقيم سرادقا يتصدره أحد مشاهير القراء, وكان للملك سرادق أيضا, أذكر أنني شربت من أحدهما عصير الليمون بالسكر, أخبرني الأستاذ نجيب محفوظ أن الاحتفال بالمولد كان عادة هامة منذ أوائل القرن, وكان يحرص على حضورها للاستماع إلى قراء القرآن, والموشحات, ورؤية الألعاب النارية. في الخمسينيات أقيم على أرض الخفير ثلاث عمارات مرتفعة تابعة للشرطة, وكانت بداية لعمران دب في المنطقة, هكذا اتصلت بميدان الجيش (ميدان فاروق الأول سابقا) وشارع أحمد سعيد. هكذا سدت المنطقة الفاصلة بين القاهرة القديمة وضاحية العباسية بقسميها, الشرقي للأثرياء, والغربي للطبقة الوسطى, وفي هذه المنطقة كان يوجد معبد يهودي (مازال قائما), والمدرسة الإسرائيلية الثانوية ومازال مبناها قائما لكنها تحولت إلى مدرسة ثانوية عادية في الستينيات, كان الأفق الشرقي للقاهرة ومازال حافلا بالقباب والمآذن, وأبراج الحمام, سعيت إليه من أجل السينما عندما دخلت المدرسة الإعدادية عام ستة وخمسين. عرفت الجمالية السينما في بداية القرن, إذ تم أول عرض في القاهرة بصالة فندق الكلوب المصري (اسمه الآن الصفا والمروة), ولنجيب محفوظ ذكريات ثرية عن هذه السينما تمت إلى العشرينيات, لكن هذه الصالة توقفت عن تقديم الأفلام عندما عرفت ساحة الكلوب, كان الوالد يتردد عليه بعد صلاة الجمعة, للقاء أبناء البلدة ومعارفه, كان فندقا شهيرا, مريحا, خاصة أنه مجاور لمسجد مولانا الحسين, وكانت تقوم إلى جواره مطبعة الحلبي (ماتزال), وكان مدير الفندق رجلا اسمر اللون من أسوان, اسمه الحاج عبده, وكان متابعا لأحداث العالم من خلال المذياع كبير الحجم الذي كان بجواره دائما, لم أسمع عن هذه السينما إلا من نجيب محفوظ, ولم أقرأ عنها إلا في مذكرات المرحوم الدكتور حسين فوزي, لكن ثمة سينما أخرى كانت شهيرة في الحي, إنها سينما الفتح في شارع الضبابية, إنها الأولى التي ذهبت إليها بمفردي أو بصحبة أخي, إذ لم نذهب إلى السينما من قبل إلا بصحبة الوالد, وكان يفضل سينما أوليمبيا في شارع عبد العزيز (أطلق اسم السلطان العثماني عبد العزيز عليه, وزار مصر في القرن الماضي, كان ضخم الجثة, وعندما رأى القطار لأول مرة في الإسكندرية (جل وخاف ركوبه). في شارع عبد العزيز كان يوجد داران للسينما, ايديال, ورويال, الأولى اختفت, والثانية أصبحت الآن مسرح الجمهورية. كانت سينما الفتح تعمل في الصيف فقط لأنها مكشوفة, لم تكن تبعد كثيرا عن درب الطبلاوي, إذ يفصلنا عنها شارع حبس الرحبة وشارع الجمالية, وهما في الحقيقة شارع واحد, في طفولتي كانت الحارة حدود عالمي, لا أشعر فيها بالخطر ولا يقلق أهلي علي لأنها سد, لا تؤدي إلى حارة أخرى, من يقيم بها معروف, كذلك من يعبرها, كانت حارة للمقيمين وليست للعابرين, مع تقدمي في العمر, خرجت منها إلى شارع الجمالية بمفردي, مغامرة ولكنها محدودة, فالطرق هنا كلها متقاربة, متداخلة, لكن الوصول جنوبا إلى ميدان الحسين ثم شارع الأزهر الذي شق في الثلاثينيات وشطر وحدة المدينة القديمة كان بالنسبة لي خروجا إلى العالم الفسيح, المجهول, كانت التذكرة بتسعة مليمات, فيما تلي ذلك من سنوات تحولت السينما إلى مخزن خشب (مازالت), وافتتحت سينما جديدة في الدراسة, الكواكب, كنا نذهب إليها معا, الأسرة مكتملة, وكانت عروضها نهارية وليلية , الأولى تبدأ التاسعة صباحا وتستمر حتى الخامسة مساء, وكانت تعرض حلقات مسلسلة عن مغامرات زورو, وفلاش جوردون في الفضاء, وكنت أحرص على متابعة الأخيرة ربما استجابة لتلك الرغبة القديمة في النظر إلى السماء وتخيل ما يجري في النجوم, تلك الثابتة, أو الهاوية, والتي كان يمكن رؤيتها من فوق سطح بيتنا بوضوح, قبل تضخم المدينة, وارتفاع مبانيها واختناق النجوم وافتقاد القمر لتلوثها وغبارها وسحاباتها الغامضة في الأسابيع الأخيرة من القرن المنقضي. من فوق السطح تابعت الطائرات التي تتجه إلى الشرق دائما, كنت أرقبها حتى تختفي, وعندما حلقت طائرات سلاح الجو يوم الثالث والعشرين من يوليو أدركت وقوع حدث جلل, قال أبي أن الضباط الأحرار شالو الملك, وأن الاسعار سترخص, وتذكرة الأوتوبيس ستكون بتعريفة (نصف قرش). بعد حوالي عام ذهبت مع الوالد إلى الدراسة, كان العمران بدأ يزحف إلى الشرق, وعند حافة قايتباي أقيم ناد رياضي, كان الحفل مثيرا, حضره عبد الناصر وخطب بحماس, بالطبع لم استوعب ما قاله, لكنني قرأت نص الخطاب فيما تلا ذلك وكان يتضمن هجوما حادا على الشيوعيين, ما أذكره من الاحتفال المنصة والأعلام وركض الفرسان حول بالونات يفرقعونها من فوق صهوات الجياد.