يقترن شهر رمضان بعادات كثيرة, اكتسبها مع الزمن, بعضها روحي جميل يتصل بالصفاء الذي تثيره معانى الشهر الفضيل في النفس وتؤكده في السلوك وبعضها مادي ضار, يتصل بالنهم الذي يحيل شهر الصيام الى شهر الطعام, ولكن لحسن الحظ, يغلب الجانب الروحي على الجانب المادي, او يوازنه على الاقل , فلا ننسى متع الروح التي لا تتناقض او تتعارض مع متع الوجدان, هذا النوع الاخير من المتع يجده المرء في قراءة عمل ابداعي جميل, او كتاب شائق يضيف الى كرم شهر الصيام كرم ينابيع المعرفة, او لقاء الاهل والاحباب بعد طول غياب, والاجتماع بهم على مائدة الافطار التي تعيد وصل ما انقطع من العلاقات في عالم الربح والخسارة. وقريب من هذا النوع الحميم من اللقاءات, ومتصل به بأكثر من سبب, مشاهدة بعض المسلسلات التي تشد الانتباه اليها بعد الافطار, وهي مسلسلات نادرة للاسف في تلفزيوناتنا العربية التي تغلب عليها الثرثرة والتفاهة فتدفع الى الانصراف عنها والنفور منها, لكن القليل النادر من هذه المسلسلات يخفف عناء الكثير الغالب, ويضيف الى امسيات شهر رمضان بعد الافطار, بهجة خاصة, تجمع بين متعة الفن وصحبة الاهل والاصدقاء. وقد اضاف الى هذه البهجة في رمضان هذا العام, التنافس الذي فرض علينا متابعته يوميا بين كاتبين مقتدرين هما اسامة انور عكاشة ومحفوظ عبدالرحمن الاول يواصل اكتشافاته في اعماق شخصياته والقاء الضوء على اسرارها, مؤكدا في مسلسله الجديد استحالة استمرار الحياة مع الكذب وان الانسان لا يمكن ان يخفي كذبه على نفسه او الناس مهما فعل, فكل كذبة لابد لها من نهاية تكشفها, وكل خروج على قيمة الصدق لابد من المعاقبة عليه, وذلك بطريقة لا تخلو من قدرية اخلاقية لا تفارقها كتابة اسامة انور عكاشة. اما الثاني, محفوظ عبدالرحمن, فيعود بنا هذه المرة الى عالمه التاريخي الاثير, الماضي الجميل الذي يستعيده ابداعيا ليصلنا بجذورنا من ناحية ويؤصل فينا قيم التواصل مع حضورنا التاريخي, ومن ثم احساسنا بالانتماء من ناحية ثانية, بالاضافة الى المقارنة المضمنة التي يدفعنا دفعا اليها لنقارن بين ما كان عليه الماضي وما اصبح عليه الحاضر الذي لا يخلو من قبح, سرعان ما نكتشفه على طريقة: الضد يظهر حسنه الضد. ورغم اعجابي بأعمال اسامة انور عكاشة التي نقلت الدراما التلفزيونية نقلة نوعية, وفتحت الشاشة الصغيرة على القضايا القومية والمحلية المؤرقة, في ابداع متميز اصيل جذب اليه انظار الملايين من المشاهدين على امتداد الاقطار العربية , وتميز بحضور الشخصيات التي لا تنسى, وبالحوار الذي يثير العقل ويمتع الوجدان, اقول رغم اعجابي بأعمال اسامة انور عكاسة الا ان عمله هذا العام لم يستطع ان يشدني اليه, فالحوار اطول مما ينبغي, والحبكة تتهاوى في اكثر من جانب, و التكرار لافت في مواضع كثيرة, ويزيد من كشف الثغرات الاخراج الساذج لمخرج لا يتردد في اضاعة حلقة بأكملها على مشاهد فرح ليس لها اهمية حاسمة في علاقة الاحداث. ولذلك ترك اسامة انور عكاشة فرصة التميز هذه المرة لمحفوظ عبدالرحمن الذي اتقن كتابة مسلسل (ام كلثوم) واخرج لنا من تاريخنا الحديث مجموعة من المشاهد والشخصيات والاحداث والمواقف التي لا تنسى, واستطاع باقتدار ان يشد انتباه ملايين العيون الى الشاشة الصغيرة لتتابع رحلة حياة ام كلثوم ابراهيم التي تحولت الى رحلة حياة وطن بأكمله في مرحلة من اهم مراحله. وقد كنت اشفق على محفوظ عبدالرحمن من كتابة هذا المسلسل, تماما كما اشفقت عليه قبل ان ارى الفيلم الذي كتبه عن عبدالناصر, فالكتابة عن الشخصيات التي عاصرناها صعبة الى ابعد حد, والكاتب مقيد بوقائع التاريخ الفعلية. الى اقصى درجة, ومن ثم لا ينفسح المجال امامه لابتكارات الخيال التي تجاوز الواقع في انطلاقها, لكن محفوظ عبدالرحمن استطاع ان يلتزم بوقائع التاريخ وجماليات الفن في الوقت نفسه, وضفر من الوقائع الفعلية والوقائع المتخيلة ضفيرة فنية تجمع بين الافادة والامتاع في آن. ولذلك لم يقض التزامه بالاحداث التاريخية الفعلية على متعة التشويق المرتبطة بالمراوحة بين المتوقع وغير المتوقع من الاحداث التي تشد انتباه المتفرج, وتتركه في لهفة انتظار الآتي منها, او التطلع الى ما يترتب عليها من مفاجآت تبث الحيوية في عملية التلقي المتحفز لمتابعة الحلقات. واذا كان عنصر الافادة في حلقات (ام كلثوم) يرتبط بغنى المعلومات التاريخية التي تقدمها الحلقات لمشاهديها على مستويات متعددة, تصل بين العادات والتقاليد الاجتماعية كما تصل بين التيارات السياسية والمتغيرات الثقافية, فان هذا العنصر يلازم عنصر الامتاع الذي يتصل بتقنية التشويق المتقنة, كما يتصل بالحوار الرشيق اللماح, وباختيار الزوايا الانسانية الكاشفة في الشخصيات التاريخية, فضلا عن خلق شخصيات. جديدة تضفي المزيد من التوتر على علاقات الاحداث والشخصيات. ولحسن الحظ, يختار الكاتب بمهارة من بين الوقائع التاريخية الكثيرة ما يراه اكثر دلالة من غيره في توصيل رؤيته الخاصة واكثر قدرة على مخاطبة عقول المتفرجين ومشاعرهم, ولا يخلو عنصر المتعة, فضلا عن ذلك كله, من المفارقات التي تبعث على الابتسام, او طرائف المواقف التي تثير الضحك, جنبا الى جنب المواقف الشاجية, او الاختيارات المحزنة, الامر الذي يضفي على الوقائع الفعلية للتاريخ حياة مضافة تتميز بجمالها الخاص الذي يضيف الى متعة المشاهدة حيوية المتابعة. واذا كانت المتعة التي يشعر بها المشاهد في حلقات (ام كلثوم) نتيجة الموهبة الدرامية التي ينطوي عليها كاتب مقتدر مثل محفوظ عبدالرحمن, سبق ان امتعنا في اعمال اخرى سابقة, فان الفائدة التي تجنيها الاجيال الشابة من هذه الحلقات تقترن بالجهد الذي بذله محفوظ في التحضير العلمي للحلقات, والالمام بتفاصيل التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي في اعقاب ثورة 1919 التي كانت بمثابة الرحم الذي تفجرت منه كل التيارات الصاعدة للثقافة والابداع والفكر السياسي والاجتماعي, وهي التيارات التي ينتسب اليها ظهور (ام كلثوم) بوصفها مرحلة جديدة من مراحل الابداع المصري الجديد الذي سرعان ما تمرد على التقاليد الجامدة والاعراف المتحجرة. ورغم ان هناك من تولى مراجعة المادة الدرامية للحلقات من الناحية التاريخية, وهذا امر محمود لا غبار عليه, فان تميز الجهد التحضيري الذي بذله المؤلف, في استيعاب وتمثل الوقائع التاريخية في مظانها الكثيرة, يبين عن مداه في تضافر مكونات الحلقات في نسيج درامي لا يفارق احكامه حتى في لحظات تشعبه وتفرعه. ولولا تميز الجهد المعلوماتي الذي بذله محفوظ عبدالرحمن لاغناء العلاقات الدرامية لحلقات مسلسله, والاتساع بأبعادها التي تعددت مستويات ثرائها, ما استطاعت حلقات (ام كلثوم) ان تعالج برهافة قضايا حيوية تطرحها على المشاهد بنعومة آسرة. يحدث ذلك في المواقف التي يفرض بها الجديد نفسه على القديم, ويتغلب فيها التحديث على مقاومة التقاليد التي لا تلبث ان تستسلم لحتمية التجدد ويحدث ذلك في تحولات الوعي الوطني ومتغيرات المواقف السياسية, كما يحدث في الربط بين صعود (ام كلثوم) الفتاة في مجتمع ذكوري مغلق وقضية صعود المرأة بوجه عام, وذلك من غير فصل بين عقبات تحرير المرأة وممارسة حقها الطبيعي في المجتمع وعوائق العادات الجامدة التي حالت بين المرأة والتحرر الابداعي الذي استهلته ام كلثوم. والواقع ان وعي الاستنارة الذي ينطقه الحوار الذكي في الحلقات يصل بين مثل هذه الجوانب وغيرها في مشاهد دالة, تنساب رسائلها الفكرية الى المشاهدين في سلاسة فنية تستحق التقدير, مؤكدة معنى اختيار الكاتب لحضور مشايخ الاستنارة في الدفاع عن قيمة الفن وتأكيد اهميته في الحياة, ومن ثم الاستغلال البارع لشخصية الشيخ مصطفى عبدالرازق في صنع مستقبل الفن الذي جسدته ام كلثوم, والاستغلال الموازي لشرائح الارستقراطية الليبرالية التي ربطت بين استقلال الوطن واستقلال الفن, فضلا عن الدور الذي لعبه كبار الشعراء في الارتقاء بالغناء ودفعه الى آفاق سامية لم يصل اليها من قبل, ومن ثم التنقل البارع من الاشارة الى امير الشعراء احمد شوقي الى التجسيد الكامل لتحولات شخصية احمد رامي التي تم تجسيدها باقتدار. والواقع ان حلقات (ام كلثوم) من هذه الزاوية على وجه التحديد تتحول الى امثولات شجية على زمن جميل انقضى, ولم تبق سوى ذكرياته التي يعيد بناءها محفوظ عبدالرحمن, مؤكدا المفارقات التي ترد الماضي على الحاضر لتبرز انحدار الاخير في بعض ابعاده, او ترد الحاضر على الماضي الماحا لتصله بتقاليده النبيلة التي ينبغي استعادتها والعمل على تأكيد حضورها في حياتنا, اذ لا نزال بحاجة الى امثال الشيخ مصطفى عبدالرازق وغيره من شيوخ الاستنارة الذين يحلمون بتقدم الامة وانفتاحها على كل التجارب المفيدة في العالم من حولنا, ولا نزال بحاجة الى عبقريات فنية فذة تبحث عن المواهب الطالعة في كل مكان, ولا نزال بحاجة الى كلمات الاغنية الراقية التي تزيد الحياة حياة, والى صحافة شريفة تأخذ بيد الاصوات الطالعة دون مطمع, وإلى مشروع قومي صاعد, ينبثق المبدع الجديد من سياقاته الواعدة كما انبثقت ظاهرة (ام كلثوم) من حركة المد العظيمة التي صنعتها ثورة ,1919 ووجدت ما دفع بها الى الامام في تواصل صعود الاماني الوطنية التي ارتفعت مع صعود المشروع القومي في الخمسينيات, فرفعت (ام كلثوم) الى ذروة مجدها الذي انكسر مع احباطات السبعينيات الكئيبة. ولكن يجب الا ننسى ان عملا تلفزيونيا ممتعا مثل (ام كلثوم) لا يستمد قيمته من براعة مؤلفه محفوظ عبدالرحمن فحسب, فإلى جانبه فريق كامل من المبدعين الذين جسدوا من كلماته متعة الحلقات التي سرقت الاضواء من غيرها في رمضان, واظهرت قدرة المخرجة انعام محمد علي, وشجو انغام عمار الشريعي, والاداء الفاتن لكل من حسن حسني واحمد راتب ورشوان توفيق وكمال ابو رية وسميرة عبدالعزيز ونادية رشاد وغيرهم من الممثلين والممثلات الذين اضاءوا ببراعتهم في الاداء. الى جانب (صابرين) التي تميزت في اداء دور (ام كلثوم) .