في سنة من السنوات قررت السفر لعدة ايام الى مدينة وارسو او كما ينطق اهلها (وارشاوا) ... هذه المدينة التي كانت مدللة من دول شرق اوروبا التي كانت تناطح بكل قوة (الحلف الاطلسي) , والتي يتفاخر اهلها بأنها كانت قاعدة لدول شرق اوروبا ضمن النظام الشيوعي آنذاك. واثناء توجهي للمدينة في الطائرة التقيت بأحد الاخوة العرب وكان يجلس بجانبي, وعرفت انه دكتور من احدى اننا كنا قادمين من اكبر مطارات اوروبا مطار هيثرو في لندن. اما المعاملة فكانت مستفزة وباردة... وعند مكان التفتيش قام ضابط الجمارك ليفتش حقيبتي قطعة, قطعة!! توجهت الى خارج المطار لاستقل سيارة اجرة الى اي فندق في المدينة لاني لم احجز مسبقاً, لكني لم اجد في الموقف حتى سيارة واحدة فاستغربت الامر, كيف يمكن ان يكون هناك مطار لا توجد به سيارة اجرة!! وبينما انا في حيرتي جاءني صاحبي الدكتور العربي وسألني ماذا تنتظر؟ قلت: اي سيارة اجرة. فقال لي: لا تضيع وقتك يوجد باص على الجهة الثانية فما عليك الا ان تحدد له المنطقة التي يوجد بها الفندق وسيوصلك إليه... اجبته: لكني لم احجز في اي فندق. قال: كيف ذلك هذه فعلاً مشكلة, معنى ذلك انك لن تستطيع ركوب الحافلة... وتدارك الامر قائلاً: لا تقلق هناك البديل اترى السيارات الواقفة هناك... قلت: نعم, لكن يبدو انها سيارات خاصة. قال: لا عليك سنستقلها معاً وسوف اشرح لك في الطريق. ركبنا السيارة واخذ صاحبي يتحدث مع السائق بلغته, ثم قال لي: اتعرف الشخص الذي يقود السيارة, اجبته بدهشة: ومن اين لي ان اعرف, فقال: انا ايضاً لا اعرفه, ولكنني اتصور انه مدير عام او وكيل وزارة او سكرتير حزب!! قلت: كيف, اهذا معقول... قال: نعم في دولة شيوعية مثل هذه معقول فالنظام هنا يسمح لمستخدمي هذه السيارات الحكومية بل يجب عليهم ان يقفوا لمن يطلب منهم ذلك من المواطنين, مما نتج عنه استغلال البعض لهذا الوضع استغلالا سيئا حيث يقومون بنقل الركاب الاجانب مقابل حفنة من الدولارات... فكانت هذه اول صدمة اتلقاها عن النظام الشيوعي. اما الصدمة الثانية فكانت في حجز الفندق حيث لم نستطع الحصول على اي غرفة لي, واخذنا ننتقل من فندق لآخر دون جدوى حتى يئس صاحبي, وطلب مني ان انزل بمفردي في آخر فندق وصلنا اليه لاجرب حظي وهو يقول اذهب مباشرة واعرض على موظف (Concirge) بضعة دولارات مقابل ان يعطيك غرفة... وهكذا سألت الموظف عن إمكانية الحصول على غرفة فقال: اذهب الى الاستقبال فهذا ليس من شأني, وعلى الفور مددت يدي واعطيته عشرة دولارات وانا اقول له: لو سمحت هذه اول مرة ازور فيها المدينة, وانا فعلاً متعب. فرد علي: اين حقيبتك احضرها واتركها هنا, وتعال بعد ثلاث ساعات ستكون الغرفة جاهزة!! وبعد ذلك قررت انا وصاحبي الذهاب الى اي مطعم لحين مرور الساعات الثلاث لاعود الى الفندق وأجد الغرفة جاهزة وحقيبتي فيها... ودعت صاحبي وذهبت لاستريح, وفي اليوم التالي اتصل الدكتور ليسألني عن برنامجي فقلت له لا شيء مهما اريد ان اتعرف على المدينة, فجاء صديقي, وركبنا سيارة اجرة لنتجول في انحاء المدينة الى ان وصلنا الى ساحة فيها اكبر برج في اوروبا الشرقية بناه السوفييت رمزاً للصداقة وتقديراً لدور وارسو في الحلف وبالتالي زيادة في تدليل المدينة!! ثم رجعنا الى الفندق فقال صاحبي: استرح قليلا وسآتي لآخذك الليلة إلى مكان تتعرف فيه على شخصيات مهمة... وبالفعل جاءني كما وعد وذهبنا الى نادٍ خاص فيه عدد من الشخصيات من كافة الشرائح دكتور, واستاذ جامعي, ودرجات اكبر من ذلك وكلهم ظاهراً ينتمون الى الحزب الشيوعي الحاكم وهو الحزب الوحيد الا ان غالبيتهم يتذمرون من وضعه والمشاكل اليومية التي تواجهه, كما يتذمرون من وضع البلاد الاقتصادي, فلما سألت بعضهم عن السبب اكدوا لي ان طموحاتهم مكبوتة لان امكانياتهم للابداع والعطاء محدودة... قلت: كيف وانتم اعضاء بارزون في الحزب وتستطيعون تغيير الحال والارتقاء بالبلد واوضاعه, رد علي احدهم باستهزاء: اتمزح, نحن لا نستطيع تحدي ارباب العمل, ولو اردنا ان نخطو خطوة واحدة بدونهم لما استطعنا؟ او تعرف من هم ارباب العمل؟! انهم سادتنا... الروس... فهم يملكون بلدنا ويمتلكوننا معه. او لم تشاهد هديتهم القيمة لنا... ذلك البرج الشاهق وسط المدينة ليذكرنا وينذرنا دائماً بوجودهم؟! وهذه كانت الصدمة الثانية لي في هذه المدينة! وفي صباح اليوم التالي كان على صاحبي المغادرة الى المدينة التي يعمل بها, وشاءت الظروف ان اسافر معه لعدم حصولي على رحلة بالطائرة الى لندن في ذلك اليوم, فكان لابد من مرافقته الى تلك المدينة ومن ثم مواصلة رحلتي عبر فيينا الى لندن. اما القطار فانه لا يختلف عن القطارات في باقي دول العالم الا في الدرجات فهي واحدة في اوروبا الشرقية والكبائن محجوزة باستمرار للزعماء وكبار اعضاء الحزب الشيوعي... جلسنا في مقصورة مع مجموعة بولنديين تبادلوا الحديث مع صاحبي بلغتهم وبدأت الرحلة... قام احدهم وقدم لنا سجائره فقال لهم صاحبي انني لا ادخن, بعد ذلك قدم لنا آخر قطعاً من لحم الخنزير المجفف, فرد عليهم مرة اخرى اننا لا نأكل لحم الخنزير, فأخذوا ينظرون الي باستغراب, وبينما هم كذلك جاء بائع المشروبات فأخذ كل منهم زجاجة صغيرة من المشروبات الكحولية, فاخذت انا فنجانا من القهوة, فقال احدهم لصاحبي وهو مندهش انه لا يدخن, ولا يأكل لحم الخنزير ولا يشرب الكحول... فلماذا يعيش ويحرم نفسه, الموت احسن له!! وهكذا استمرت الرحلة في جو من المرح بينهم, ربما لشعورهم بأن لهم ميزات لا يمتلكها الآخرون!! وعند وصولهم الى المحطة التي سيغادرون فيها ودعونا وقال احدهم لصاحبي: الى اين هو ذاهب؟ فقلت له: الى لندن لكي اموت هناك... رد الجميع بصوت عال: قل له ان يأخذنا معه الى هناك, فالموت في بريطانيا ارحم من العيش في بولندا!!