لأن قنوات التلفزيون عديدة ومفتوحة على (البحري) في أجواء الفضاء العربي, فقد ابتلى المشاهدون العرب أيضا على امتداد ما انصرم من أيام رمضان الكريم, بهجمات من (هرش) المخ كما يقول المصريون ويعنون بها برامج الركاكة والسماجة والفهاهة ولغو الكلام وفضول الأحاديث (تأمل كيف تحفل جعبة لغتنا الشريفة بكل هذه الأعمال التي تصدر عن صياغة الفكر وحماقة التنفيذ . ولكن لأن الله سبحانه رؤوف بنا نحن عباده المساكين من ضحايا أهل التلفزة الذين يتقون الله فينا, فقد هيأت لنا الأقدار أعمالا تحترم العقل وتتحدى الوجدان وتسعد القلب وتطمئن النفس, بأنه لايزال بإمكاننا أن نقد فنا جميلا راقيا بغير ترخص دون إسفاف, ولقد يتجلى هذا الفصيل من سلالة الفن الراقي الجميل في مسلسل أم كلثوم الذي استطاع أن يشق طريقه إلى أسماع الناس والى أبصارهم, وكان يشقه بصعوبة بالغة وسط ركام التفاهة والاستسهال من برامج المحليات والفضائيات العربية. ذلك لأن المسلسل لم يقف عند الحياة الشخصية للمواطنة العربية من مصر, أم كلثوم إبراهيم البلتاجي ولو كان قد وقف عند هذا الحد, لما تجاوز الاجتهادات الساذجة للمرحوم حسن الإمام وكان قد أطلق على نفسه مخرج الروائع حين قدم للسينما أفلاما عن (زعيمات) عصرنا ما بين بديعة مصابني وبمبة كشر وكن كما تعرف راقصات محظيات شبه أميات. لقد تنبه صديقنا مؤلف المسلسل محفوظ عبد الرحمن إلى تلك الوشيجة الحقيقية التي ربطت بين السيرة الشخصية للفنانة أم كلثوم وبين التاريخ الوجداني, ثم تاريخ التطور العام الذي شهدته الحياة في مصر وفي الوطن العربي عبر ا لعقود السبعة التي عاشتها أم كلثوم منذ أن كانت طفلة ثم فتاة قروية اكتشف أهلها موهبتها الصوتية وخرجوا بها إلى أسواق الفلاحين وموالد الأولياء والعارفين تنشد قصائد في مديح النبي عليه الصلاة والسلام, وترتدي عقالاً ومعطفاً بارزا محكما إلى أن تربعت على عرش السمع العربي أستاذة في باب احترام الفنان لنفسه ولتاريخه, ولذوقه في استنقاء ما يقدمه للناس بغير ترخص أو تدمير أو عشوائية أو استغفال. وكأننا بالصديق الكاتب محفوظ عبد الرحمن يقف بقلمه المبدع المستنير عندما سبقت إليه الكاتبة الأمريكية فرجينيا ودانيسلون عندما أصدر منذ سنوات كتابا مهما يحمل العنوان التالي: (صوت مصر : أم كلثوم) ثم يرد عنوانه الفرعي ليشع تفاصيل الكتابة الصادرة بالإنجليزية يقول: (الأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين) وقد التقينا وكاتب السطور بالأستاذة بربارا هوليك التي شاركت في تحويل هذا الكتاب إلى فيلم وثائقي سينمائي قدمته في مصر ع روض خاصة في مصر, ثم دعوناها إلى تقديمه في قاعة داغ همورشولد بمبنى الأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك, وبدعوة و جهناها إليها باسم النادي العربي بالا مم المتحدة, وتحدثنا المخرجة الأمريكية المثقفة عن مراحل إنتاج الفيلم الذي يعده النقاد أول عمل وثائقي وإبداعي أيضا يقدم أم كلثوم إلى الجمهور غير الناطق بالعربية (يقوم بدور الراوي تعليقا على وقائع الفيلم الفنان عمر الشريف) وحرصت المخرجة في هذه المناسبة أن تقدم للعمل الفني موضحة أن الفيلم يربط بين حياة المطربة الكبيرة وبين القصة الملحمية لمصر في القرن العشرين حين صممت على أن تحرر نفسها من براثن الاستعمار كي تواجه تحديات ومسؤوليات التحديث, ومن ثم تصنيف الفنانة الأمريكية, فقد أصبحت أم كلثوم رمزا قويا لطموحات بلدها مصر أولا, ومن ثم أضحت رمزا لآمال العالم العربي بأسره ولقد كان بوسع الأجيال من ناشئة مصر والعرب أن تتعايش مراحل وأحد اث ومنعطفات التاريخ التي انتصفت, وخاصة في النصف الأول من القرن العشرين, من خلال المتابعة الواعية لمسلسل أم كلثوم, لا في مجال متا بعة أسماء الشخصيات التاريخية فحسب, ولكن في متابعة أشكال اللباس وطرز الأثاث وأنماط السلوك, ناهيك عن أساليب التعبير الفني في الموسيقى وفي الإدلاء الصوتي, بين عصر كانت تغرب شمسه وترمز إليه المطربة منيرة المهدية وعصر كانت تتهيأ للانبثاق وكانت حاديته هي الآنسة أم كلثوم (ومعها كان محمد عبدالوهاب). ولا ندري كم من المخضرمين المعنيين بالتاريخ الوجداني للشعب العربي والأمة العربية, كان على علم تفصيلي بوقائع انعقاد مؤتمر الموسيقى العربية وكان أول مجمع قومي موسيقي من نوعه في تاريخ العرب الحديث, وقد دعا إلى انعقاده معهد الموسيقى الشرقية في القاهرة وتولى أمر التدريب له الفنان الأرستقراطي الدارس مصطفى بك رضا (أ حد أبطال المسلسل) وشهدته كوكبة من المستشرقين والفنانين من بقاع شتى في الوطن العربي وكانت أجزاء كثيرة من هذا الوطن واقعة تحت الاحتلال الأجنبي. وعندما التأم عقد المؤتمر عام 1932 دارت المناقشات الجادة حول أهمية التدوين العلمي لموسيقى العرب وهو التأرجح لمراحل تطور الإبداع اللحني في التراث العربي (ومن أهم من صال وجال في هذا الميدان كان البروفيسور فارمر صاحب الكتاب الموسوعة عن تاريخ الموسيقى العربية). يومها استطاع عبد الوهاب (الفنان الشاب الواعد وقتها في مقتبل الثلاثينات من عمره) أن يشد الأسماع والأفكار عندما قدم نموذجا تطبيقيا للأغنية العربية المنشودة وقد نظم كلمتها الجميلة أمير الشعراء أحمد شوقي واصطنع لها عبد الوهاب معمارا موسيقيا مبتكرا يرتكز على أصالة اللحن الكلاسيكي الشرقي أو العربي ثم يتطلع بالتجديد الواعي إلى آفاق أرحب وسكك مقامية وأساليب معاصرة في الأداء أبلغ تطورا وأشد طموحا. يومها قدم عبد الوهاب أمام مؤتمر الموسيقى العربية أنشودة : (في الليل لما خلي إلا من الباكي وا لنوح على الر وح حلي للصارخ الشاكي) والكلمات الشعرية كما ترى تجسد عناق العامية بالفصحى فلا العامية تسف إلى حيث الدارج في لسان الشوارع والأسواق, ولا الفصحى ترتفع فيعسر إدراكها بالتعقيد والإيغال على فهم الملايين من بسطاء المستمعين ولا ندري, من الذي فتح الباب أمام الآخر في عناق الفصحى والعامية, هل هو شوقي بك, أم شاعر الشباب أحمد رامي والذي ندريه وجداننا الفني القومي قد فاز بالحسنيين في هذا المجال.. وجاء الفوز بالذات في أشعار أحمد رامي التي شدت بها أم كلثوم وخاصة في مراحل نضجها منذ عقد الأربعينات المفعم بثراء إبداعها, وإبداع اعظم ملحنيها كما قد نتصور وهو رياض السنباطي.. يومها كتب رامي وافتن السنباطي وغنت أم كلثوم.. أعمالا من قبيل: سهران لوحدي.. أناجي طيفك الساري سارح في وجدي.. ودمعي على الخدود جاري وغنت أيضا: هلت ليالي القمر.. تعالى نسهر سوا في نور بهاه ولم يكن في ذلك عجز عند الشاعر الكبير رامي وهو الذي قدم الروح ترجمة على الإطلاق الشاعر الفنان الصدفي الرياضي الفارسي عمر الخيام وكان من حسن طالعنا أن صاغها السنباطي لحنا رصينا وأبدعت أم كلثوم إنشادها : سمعت صوت.. هاتفا في السحر نادى من الغيب غفاة البشر وهب الله سبحانه الفتاة الفلاحة أم كلثوم صوتا ينحدر كما يقول أستاذنا كمال النجمي عليه رحمة الله من سلالة أصوات جميلة راقية عريقة في الرقي والجمال.. وكان أن ظل هذا الصوت الراقي, وقد استكملت موهبته بذوق رفيع في اختيار اللحن والكلمات, ظل يتردد ولايزال يتردد في بيوت العرب من الخليج إلى المحيط, لا يستوي في ذلك ا لقصر والكوخ, حقو ل الزرع وبادية الصحراء.. فالفن يعبر السدود والحدود ولا يعرف الطبقات والثروات.؟. بل الفن الجميل الراقي الأصيل يعرف شيئا واحدا وهو وجدان الإنسان من حيث كونه إنسانا. ولقد يحار العلم الصوتي عند تحليل صوت أم كلثوم الذي ينتمي علميا إلى فئتي الكو نتر ألتو (الصوت النسائي الرنان) والميتسو سوبر برانو (الصوت الندى الثاني النسائي أيضا) أو بمصطلح الموسيقى الشرقية يمتد صوت أم كلثوم على مساحة أوكتافين أو ديوانين يشملان بالتالي 16 مقاما استقر عليها هذا الصوت المتفرد بل كانت تزيد عند اللزوم فتصبح 17 مقاما حيث كان بإمكانها أن تؤدى جواب الجواب في مقام السيكا الشرقي وهو ذروة لا يبلغ مرقاها إلا الأصوات بالغة الاقتدار.. شريطة ألا تبلغها في أداء بمجرد ارتفاع النبرة.. والسلام, بل تبلغها في أداء صحيح أصولي.. مؤثر ممتع وهو ما كان يتوافر وسبحان العاطي الوهاب لصوت أم كلثوم الذي قد تنتهي حيرة التحليل العلمي معه ولا يكاد يحسم الموقف سوى الإحالة من جديد إلى بيت الشاعر الكبير أبن الرومي الذي وصف به (وحيد) مطربته العظيمة فقال: يسهل القول انها أحسن الأشياء طرا, ويصعب التحديد.