في مدينة المتناقضات (نيويورك) حيث يتعايش الفقر مع الغنى... وتتجاور ناطحات السحاب مع خرائب حي الزنوج (هارلم) ... اقترح رفيق رحلتي الامريكي (يوسف) ـ كما يحب ان أناديه بدلاً من (جوزيف) ـ ان نتناول طعام العشاء ـ إن لم يكن لدي اعتراض ـ مع شقيقته التي لم يرها منذ ما يزيد على ست سنوات وصديقها... مكان الدعوة ـ كما عرفت منه ـ سيكون أحد مطاعم المدينة ذات الاسعار المعقولة, أما نوعها فسيكون (دوتش) اي ان كل واحد منا سيقوم بدفع ثمن ما سيطلبه! لم أجد بطبيعة الحال في الدعوة ما يدعو لرفضها... اما ما يغري بقبولها فهو أنني سأتعرف على اثنين من سكان هذه المدينة الشهيرة العجيبة ملتقى شعوب العالم ومقر جامعتهم الكبرى (الامم المتحدة) خاصة وان صاحبنا (يوسف) رحالة لا يستقر في مكان واحد لفترة طويلة, فهو وإن كان من مواليد (بفلو) بغربي ولاية نيويورك حيث شلالات نياجرا الشهيرة على الحدود الكندية إلاّ ان المقام لم يستقر به في مدينة واحدة او بلد واحد لفترة طويلة, إذ قضى سنيّ حياته الاثنتين والاربعين متنقلاً من مدينة إلى اخرى ومن بلد إلى آخر حتى استقر في السنوات الاخيرة في اليمن عاشقاً لشعبه متيماً بتضاريسه وعبق التاريخ فيه. ما اغراني بقبول الدعوة ـ التي سأدفع ثمن طعامي فيها ـ ايضا أن شقيقته تعمل محامية في واحدة من كبريات شركات المحاماة في المدينة, وربما كانت الدعوة فرصة للاطلاع على خفايا هذه المهنة المربحة في الولايات المتحدة واسرار هذا المجتمع والطريقة التي تتعايش بها فئاته المختلفة في ظل تفاوت غير معقول في مستوى المعيشة والدخل, يتراوح بين الثراء الفاحش حيث يصل سعر شقة في شارع مشهور من شوارع المدينة الى عشرات الملايين من الدولارات, وبين الفقر المدقع الذي تعاني منه هذه الاعداد الكبيرة من المشردين ممن لا بيوت لهم (الهوم لس) الذين يفترشون الشوارع وممرات محطات (الاند جراوند) يتسولون الطعام ويمدون ايديهم للمارة وعايري الطريق وهم غائبون عن الوعي لادمانهم الكحول والمخدرات. في طريقنا الى العشاء علمت من رفيقي ان المحامين في الولايات المتحدة من اكثر فئات المجتمع دخولاً لشدة احتياج الناس إليهم في مجتمع مهووس بالقضايا ورفع الدعاوى واللجوء للمحاكم في كل صغيرة وكبيرة و(عالفاضي والمليان) حسب التعبير الشعبي, وضرب لي مثلاً بشقيقته التي يصل دخلها السنوي من عملها لما يقارب المئة ألف دولار رغم انها محامية عادية, لم تنل من الشهرة ما لو تحصلت عليه لتضاعف دخلها عشرات المرات. وصلنا الى المطعم فوجدنا مضيفينا اللذين سيحملاننا ثمن عشائنا بانتظارنا... وبعد التعارف والبداية التقليدية لكل لقاء تعارف, اخذ الحديث يتشعب بنا الى موضوعات عدة كنت حريصاً على أن تكون في صميم قضايا يهتم بها من يعيش في مجتمع لا نرى منه في الغالب سوى القشرة الخارجية البراقة بينما تختفي خلفها صور كثيرة لمشاكل افرزتها طبيعة الحياة المادية التي يعيشها افراد المجتمعات الغربية التي تجردت من القيم والروابط الاسرية والاجتماعية, حتى غدا كل فرد فيها أشبه ما يكون بجزيرة معزولة لا يتواصل مع الآخرين إلا بقدر ما تلتقي مصالحه معهم, ولا يحكم علاقته بهم سوى مقدار احتياجه اليهم وحاجتهم له. تضرب لنا (ليندا) وهذا هو اسم مضيفتنا ـ مثلاً على نوعية المشاكل التي يعاني منها المجتمع الامريكي والظواهر التي تسود فيه فتقول: أتولى حالياً ومعي مجموعة من الزملاء المحامين في شركتنا قضية من القضايا بدأت تنتشر هنا بشكل ملفت للنظر. القضية مرفوعة من إحدى شركات التأمين ضد مستشفى للامراض النفسية لم يقم باحتجاز احد المترددين عليه للعلاج رغم معرفته بخطورة حالته. هذا المريض كان يعاني من اكتئاب نفسي شديد, وقد راجع المستشفى عدة مرات حيث كان يتلقي جلسات علاج يبدو انها لم تأت بنتائج ايجابية معه. في نوبة من نوبات الاكتئاب التي كانت تعاوده قام بشراء سيف واستقل إحدى السفن السياحية التي تقوم برحلات حول جزيرة منهاتن واقسام مدينة نيويورك الخمسة لمشاهدتها من الماء عبر أنهر هارلم وويست ريفر وخليج نيويورك. وبعد أن أبحرت السفينة بدقائق اعمل صاحبنا سيفه في ركابها فقتل منهم اثنين واصاب عدداً آخر بجراح حالة بعضهم خطيرة قبل ان تتم السيطرة عليه وانتزاع السيف من يده. اهالي الضحايا طالبوا الشركة المالكة للسفينة بتعويضات كبيرة واتهموها بالاهمال وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لسماحها لمرتكب هذه المذبحة بحمل سلاح معه داخل السفينة. اما الشركة السياحية فقد احالت الموضوع لشركة التأمين المؤمنة لديها لدفع التعويضات المطلوبة, وشركة التأمين بدورها ألقت المسئولية على المستشفى الذي لم يقم باحتجاز مرتكب الجريمة رغم علمه بخطورة حالته. ومهمتنا الآن ونحن نمثل شركة التأمين هو اثبات مسئولية المستشفى وتحميله الخطأ كي يقوم هو بدفع التعويضات المطلوبة لأهالي الضحايا. وبينما كانت محدثتنا مسترسلة في شرح الجوانب القانونية للقضية والجهود التي تبذلها وزملاؤها لتأدية المهمة المكلفين بها على افضل وجه, كان جانب آخر من الموضوع يشغل تفكيري ويبعدني عن متابعة الحديث الذي كان يدور رغم علمي بأن جوانب كثيرة شيقة تستحق الاهتمام فيه والانصات اليه. كان وجه آخر للصورة يطل على المشهد وأنا استذكر تصريحا لديفيد ساتشر كبير الجراحين ومساعد وزير الصحة في الولايات المتحدة في تقرير نشره الفريق العامل معه جاء فيه, ان امريكيا من اصل خمسة يعاني من اضطرابات عقلية, وان نصف المصابين لا يتلقون عناية طبية, وجاء في التقرير ان الاكتئاب النفسي الشديد كما في سائر الدول المتقدمة يشكل السبب الاول للاضطرابات العقلية تليه الاضطرابات الحصرية والاكراهية وامراض مثل انفصام الشخصية, اما احدث دراسة نشرتها (مؤسسة العناية العقلية) في بريطانيا فتقول ان اطباء العائلة في بريطانيا يمضون ثلاثين في المئة من اوقاتهم في معالجة الامراض النفسية مثل الكآبة والاحباط التي اصبح يعاني منها الكثير من الناس بسبب النمط الحياتي الجديد وضغط العمل.. وتقول الدراسة ان عدد الذين يقصدون العيادات النفسية بسبب الكآبة والضغط النفسي أصبح الآن أكثر من أي فترة مضت, بينما يقول اطباء العائلة انهم يقضون يوما ونصف اليوم من ايام العمل الاسبوعي في معالجة الحالات النفسية حيث اصبح الاضطراب النفسي والكآبة يشكلان خمسة عشر في المئة من الحالات التي يعالجونها, اضف الى ذلك ان خمسة في المئة من حالات الذين يشكون من امراض جسدية سببها الامراض النفسية وثلاثة في المئة من حالات الامراض النفسية عند المتقدمين في السن. اطباء العائلة هؤلاء الذين تتحدث عنهم الدراسة ليسوا أطباء نفسيين وعياداتهم ليست عيادات امراض نفسية, فما بالك اذن بالعيادات النفسية المتخصصة وماهي اعداد المترددين عليها؟! كان رفاقي على الطاولة يتجادلون حول الجوانب القانونية ومقدار التعويض الذي سيحصل عليه أهالي الضحايا والجرحى ومن الذي سيرفعه عندما عدت لمتابعة الحوار مرة اخرى, ساعتها ادركت انني لست بحاجة لاعمال عقلي وتفكيري بحثا عن اسباب هذه الظواهر وخلفياتها, فقد كانت صورة حية من صور هذه الاسباب التي ابحث عنها ماثلة أمامي, وعندما جاء النادل لاستلام حساب فاتورة العشاء فأخرج كل واحد منا من جيبه المبلغ الذي يتوجب عليه دفعه, كانت صورة الرفاق لدينا في الشرق وهم يتسابقون لاستلام الفاتورة ودفع الحساب في مثل هذه المواقف هي الماثلة أمام عيني لتضع خطوط البون الشاسع بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم, ولتؤكد اننا مازلنا بخير رغم كل شيء.. راضون بالتخلف اذا كان التقدم سيحولنا الى مثل هذه الجزر المعزولة وتلك الآلات الصماء المجردة من العواطف والاحاسيس والقيم والروح.