يبدو ان حمى الألفية الثالثة بدأت تجتاح العالم بشكل مثير, ولم تستثن احداً, فالأخبار والتقارير والقصص المتناثرة هنا وهناك كثيرة وتتواصل بوتيرة سريعة هذه الأيام, فما تكاد تقلب صفحة من صفحات المجلات والصحف حتى تقفز أخبار الألفية بصورة متباينة, ففي الوقت الذي يحذر فيه بعض الخبراء من حدوث كوارث لعدم تمكن الكمبيوترات من قراءة العام الجديد , يقلل آخرون من هذه الفرضية, فيما الكثير منا حائرون بين اخذ ورد, ولم يسلم من ذلك كله سوى الذين يعيشون عصر جحا وحماره بعيداً عن وادي السليكون والقرية الالكترونية ومدن الانترنت. عموماً ما دمنا نتحدث عن حمى الألفية فعلينا ان نتذكر جيداً ان المؤسسات والحكومات في كافة انحاء العالم ستتكبد خسائر ضخمة لمعالجة علة القرن, وحسبما تشير تقارير شركة المعلومات الدولية فإن 97 مليار دولار هو مجموع الخسائر التي انفقت لمعالجة العلة هذا العام فقط, وأما الخسائر ابتداء من عام 95 حتى يومنا هذا فتقدر بحوالي 184 مليار دولار بالاضافة الى 30 مليار دولار سوف تنفق في عام 2000. وحتى لا أجركم جراً الى لغة الأرقام أذهب معكم الى الولايات المتحدة الامريكية, حيث تسيطر حالة من التوتر على كل شركات الكمبيوتر بسبب قرب موعد الاول من يناير ,2000 فقد رصدت واشنطن في الاعوام الثلاثة الاخيرة ميزانية ضخمة, وسمحت لشركات الكمبيوتر الامريكية باستقدام ما لا يقل عن 65 الف مبرمج من مختلف انحاء العالم ومنحهم (الجرين كارد) وهو ما يعني حصولهم حتماً على الجنسية الامريكية في سنوات معدودة من اجل تكريس قدرات عقولهم وأذهانهم وأصابعهم أمام لوحة مفاتيح اجهزة الكمبيوتر وايجاد حل جذري لهذه المشكلة المؤرقة. اما دوائر المال البريطانية فتخشى من حدوث أزمة مصرفية عالمية في الأيام الحالية, حيث تتوقع ان يهرع الجميع الى سحب جميع ايداعاتهم وأموالهم من البنوك والمصارف المختلفة خشية ان تتوقف اجهزة الكمبيوتر في القطاع المصرفي عن العمل وهو ما يعني ضياع تحويشة العمر. وفي الوقت الذي يخاف فيه الانسان العادي من ضياع تحويشة العمر او فليساته, يرى تقرير اعدته مجموعة شركات جارتنر العالمية ان قراصنة الكمبيوتر قد ينتهزون هذه المناسبة في تنفيذ سرقات الكترونية قد تصل الى مليار دولار فقط. ويعتقد هؤلاء الخبراء ان المتعهدين والمبرمجين الذين تم استئجارهم من قبل الشركات لمعالجة المشكلة ربما يكونون قد تركوا ابواباً سحرية لنقل الاموال من حساب الى آخر, وان السارق المحتمل فيما اذا حدث ذلك ربما يكون مهندس برمجيات ماهر جداً يعمل على معالجة مشكلة الألفية الجديدة, ويفهم جيداً الانظمة الحاسوبية وفي الوقت ذاته مطلع تماماً على بواطن آلية عمل الشركات. وستحدث فرصة السرقة كما يؤكد هؤلاء عندما ينهار نظام الكمبيوتر وتوكل اعمال الاصلاح الى مهندس برمجيات واحد دون ان يخضع لاجراءات الاشراف والمراقبة الاعتيادية وذلك نتيجة لحالة الفوضى التي تترافق مع مثل هذه الاعطال. من جهتهم حذر الخبراء البريطانيون من وقوع حوادث خطيرة في المحطات النووية بسبب عدم توافق اجهزة الحاسوب مع العام ,2000 وقد تؤدي هذه المشكلة الى انقطاع الطاقة الكهربائية او تعطيل اجهزة الانذار او حتى التسبب في حدوث تسرب اشعاعي. والسؤال الذي يفرض نفسه طواعية اين نحن من ذلك كله؟ يبدو اننا أمام هذا التدخل العلمي السافر في تفاصيل حياتنا اليومية سنظل مجرد تابعين, ففي ظل وجود هذا الفرز الواضح الذي يعيشه العالم اليوم والذي حدد مجموعتين: الاولى هي القائدة لأنها من يفهم العلم, والثانية التابعة او المهفهفة على الأولى لأنها لا تفقه من الأمر شيئاً. وبصورة أكثر تحديداً فان هاتين المجموعتين كما يرى الكاتب العالمي روبرت صامويلسون تعجزان عن التواصل او الحوار احداهما مع الاخرى, ومع استمرار تباعدهما فإنه ما من مجتمع سيكون بمقدوره التفكير بشكل حكيم, وهو ما يؤكد ان علة القرن هي نموذج ربما يجسد الافتقار الى الحكمة. ويرى صامويلسون ان لدينا هنا ظاهرة قابلة للتنبؤ بها ويمكن علاجها بتوافر الوقت ولكنها لن تعالج بشكل كامل بحلول العام المقبل, لذا سيقضي اغلب الناس في العالم جانباً كبيراً من العام المقبل في التساؤل عما اذا كانت علة القرن خطراً جدياً ام مجرد نكتة تقنية ثقيلة الظل. امام هذه الصورة المتماوجة بجميع ابعادها نقف نحن في مفترق طرق, لأننا رغم استعداداتنا لهذه المشكلة ما زلنا نفتقر الى المعرفة, مثلنا مثل ملايين البشر الذين يضعون أيديهم على قلوبهم متمنين ان تمر هذه السحابة دون حدوث مشاكل او كوارث. ويبدو انه لن ينام قريرو العين سوى أولئك الذين بسطوا جناحهم للطبيعة بعيداً عن المدنية التي علينا ان ندفع ضريبة الاستمتاع بها ان آجلاً او عاجلاً. واذا اردتم ان تتأكدوا فاسألوا جحا وحماره..