لم تكن الخطوة التي اتخذها الرئيس عمر حسن البشير, خطوة مقطوعة الجذور, محكومة بردة فعل آنية, بقدر ما جاءت نتيجة لجملة من التراكمات والصراعات المعلنة والمستترة, على مدار سنوات طويلة في الحكم ذي الرأسين. والتي أدت بدورها الى احداث حالة من الخلل البنيوي, الذي عكس نفسه سلبا على الحياة العامة والخاصة للسودان , والذي طال بدوره الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية, ولفت مستقبله بالمخاطر في مرحلة يعبر من خلالها مخاضات صعبة نحو لملمة الشمل السوداني المتداعي بسبب السياسات الارتجالية غير المحسوبة, والتي اذا ما استمرت على ما هي عليه ستهدد ليس بوحدة المجتمع السوداني وحسب بل وستطال وحدة اراضيه. وقد لا نغالي القول ان السودان وصل من جملة السياسات المرتجلة التي اتبعها الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس الوطني (البرلمان) الى حافة الهاوية, لانها استعدت الداخل السوداني وباعدت بين اقطابه وقواه الفاعلة, وخلقت حالة خطرة من الازدواجية في السلطة ومواقع القرار, بسبب السعي للاستحواذ على السلطتين التنفيذية والتشريعية وتجويف المؤسسات من مضمونها والحاق المؤسسة العسكرية لارادته وتوجيهها حسب رغباته. كما اججت المواقف بين السودان والمحيط الجغرافي عربيا وافريقيا, وخلقت حالة من الجفاء السياسي, حتى لكأن السودان اصبح جسما سياسيا غريبا عن محيطه. ناهيك عن الحجم المتزايد في صفوف المعارضة التي لقيت ترحيبا واحتضانا من كل دول الجوار السوداني, حتى بدا التسابق بين دول الجوار الجغرافي بما في ذلك الدول العربية المتاخمة للسودان, على من يحتوي او يحتضن احزابا وقوى سودانية اكثر من اجل مواجهة النظام الغريب في السودان. وما ان توصل الرئيس عمر حسن البشير الى ضرورة انجاز المصالحة التاريخية بين ابناء الشعب السوداني الذي قسمته الصراعات والخلافات المذهبية والدينية والاثنية والطبقية والاجتماعية والسياسية وهي الاهم, بسبب الاستحواذ على السلطة من فئة ضيقة دون غيرها. حتى بدأت تتسلل الصراعات بكل اشكالها الملتوية الى داخل القصر والبرلمان, وبدأت بعد ذلك القضية وكأنها صراع من اجل مصلحة الشعب السوداني ومستقبله, حتى ان البرلمان الذي شكلته هذه الفئة والذي يضم 400 عضو كان حتى اللحظة الاخيرة قبل اعلان حالة الطوارىء من قبل الرئيس البشير, يضم قيادات تنتمي في غالبيتها الى اتجاه سياسي واحد, او موالية لهذا الاتجاه, حتى رؤساء اللجان البرلمانية الـ 14 المتخصصة ينتمون جميعا الى الحركة الاسلامية دون غيرها, أي ان البرلمان مثل منذ الانقلاب على الدستور وطرد الصادق المهدي من السلطة لونا واحدا. والبعض غير العضو في اطار الفعل السياسي في السودان يعتبرون مجرد تعبير عن تقسيمات ادارية بالمعنى المناطقي ليس الا, وهم غير فاعلين اصلا على المستوى السياسي, والغريب بالامر انه ما ان طرحت قضية المصالحة التاريخية والوساطات العربية خاصة الليبية ـ المصرية, ومشروع ايجاد. حتى بدا الترابي وكأنه الاحرص على انطلاقة باتجاه ما سمي (بالانتفاضة القانونية والتشريعية) . وعلى ما يبدو ان هذه الانتفاضة التشريعية التي يقف خلفها وبقوة الدكتور حسن الترابي رئيس المجلس الوطني (البرلمان) , ليست سوى محاولة لذر الرماد في العيون من اجل وقف ما كان قد بدأه الرئيس عمر البشير مع بعض اطراف الجوار الجغرافي في محاولة منه لرأب الصدع الحاصل في السودان, والذي كان من نتائجه الاولية, اللقاء التاريخي بالنسبة للسودان وللعرب مع الصادق المهدي زعيم حزب الامة, والذي اعتبر بجد محاولة ايجابية وخطوة مصالحة تاريخية من قبل الطرفين, لخلق حلف الوفاق الوطني, وبداية انهاء الخصومة مع القوى المعارضة في الخارج, والاغرب من ذلك ان الترابي تحول بين ليلة وضحاها الى حمل وديع مناصر للديمقراطية وحرية الرأي والانفتاح وتعديل القوانين وتحديثها, وهو الذي وقف بشدة مع الانقلاب على الديمقراطية والدستور فيما مضى وسعى جاهداً لبناء سودان من لون واحد ورأس واحد. والادهى من ذلك ان الترابي حاول جاهدا منع حلول جذرية جادة ازاء المخاطر المحدقة الذي يعيشها السودان, خاصة فيما يتعلق بمشكلة الجنوب وحقوق الاقليات الدينية والاثنية واعتبر ان الحل العسكري هو الحل الوحيد لكل هذه المشكلات المستعصية بالنسبة للسودان, وان تجييش المجتمع السوداني هو الاقدر والامثل على تجاوز كل التحديات المحدقة. حتى ان هذا التصرف والتمترس خلف هذه العقلية الاحادية بالتفكير فتح الباب على مصراعيه امام الكثير من القوى الدولية بمساعدة الدول المحيطة, للتدخل في الشأن السوداني الداخلي تحت ذرائع وحجج ومبررات اقلها قضية المجاعة التي يعاني منها بعض ابناء السودان خاصة وان السودان يشهد في عصره الحالي اشد واكثر الازمات الاقتصادية والمالية واكثرها عسرا. ومن نافلة القول ان الرئيس البشير بات يدرك انه ليس ثمة امكانية لنظامه الحالي او غيره, لتأجيل او ترحيل الازمات اكثر من ذلك, وان عامل الوقت بالنسبة للمتغيرات الدولية لا يصب مطلقا في مصلحة السودان, وانه بات لزاما ادخال الاطراف العربية المجاورة للمساعدة على الخروج من هذه الازمات المستعصية والخطيرة التي تنذر بحروب داخلية وخارجية, والتي سيكون من نتائجها على المدى المنظور تقسيم السودان. وان كل ما تشيعه وسائل الاعلام حول الصراع على السلطة ليس من قبيل المصلحة الشخصية, بل هو نابع من قناعة مطلقة تشكلت عند الرئيس البشير, بانه اصبح غير قادر بهذه التركيبة السياسية الحاكمة على اتخاذ خطوات انقاذية, خاصة على مستوى المصالحة الوطنية, وانه لابد من اتخاذ مثل هذه الخطوة لانتظام النقاش مع المعارضة على المستويين الداخلي والخارجي, واجراء مصالحة تاريخية مع الذات السودانية اولا ومن ثم مع المحيط الجغرافي العربي والافريقي ثانيا, على حد سواء ليكون بداية حقيقية لانقاذ السودان واعادته لدوره الفاعل على كل المستويات, عربيا واقليميا ودوليا الى سابق عهده. وعلى عكس كل التحليلات التي اعتبرت ان هذه الخطوة عودة للمربع الاول وهو استحواذ الجيش على السلطة, قد يكون هذا ظاهريا لبعض المتسرعين بالافتاءات والقاء التهم فالمسألة بكل ما فيها هي وقفة محارب من اجل توضيب السودان المتداعي على المستوى الداخلي كما اسلفنا القول, ومحاولة جادة لبحث كل الملفات المطوية داخل ادراج الترابي واهمها المصالحة الوطنية, التي باتت هاجسا لكل ابناء الامة العربية, وليس لابناء السودان وحدهم. وان كل الحركات البهلوانية التي اتبعها الترابي في الفترة الاخيرة كانت محاولة لعرقلة المصالحة الوطنية, وايجاد صيغ وفاقية قد تبعد الاخطار المحدقة عن السودان وابنائه, لانه يرى في حال الوصول مع اطراف المعارضة الى صناديق الاقتراع بداية حقيقية لسحب البساط من تحت قدميه. خاصة وان كل هذه الخطوات باتت تتزامن مع قول البشير (باننا كلنا اصبحنا من جيل لابد ان يتخلى عن السلطة والقيادة) ولعل هذه المقولة لا تجد لها طريقا او مسوغا عند الترابي كشخصية كاريزمية لديها القدرة على البقاء في السلطة بصورة او باخرى ولا يمكن التخلي عنها مطلقا, والذي يسعى من خلالها الى تشكيل مركز روحي ارشادي للمسلمين ليس للسودان وحسب بل لكل الامة الاسلامية قاطبة, وانه الاقدر على خوض معاركه الثقافية مع الغرب لانه الاعرف بالثقافة الغربية والاقدر على محاكاتها دون غيره. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق