بيرث أول محطة وصلت إليها في رحلة سفر إلى استراليا كانت قبل ما يزيد على سبع سنوات, كانت هذه القارة النائية وقتها هادئة, حالمة, بسيطة, لم يصلها ضجيج وجيوش السياح العرب كما هو حالها اليوم, لم اسمع عن (بيرث) من قبل ولم انو المرور بها, فالصور والاسماء التي حفظتها في ذاكرتي كانت لـ (سيدني)و(ملبورن)و(فيكتوريا) والكنغر وهيئة ساكن استراليا الاصلي صاحب اللحية الكثة وصحرائها ذات الكثبان الرملية الحمراء التي كثيراً ما تركز عليها المشاهد السينمائية والدفاتر السياحية كصور, جمالية ساحرة لهذه القارة. بيرث كانت ضمن العرض السياحي الذي قدمته شركة الطيران فكان المرور, والمبيت فيها الزاميا, عشت فيها ليالي ثلاث, قبل أن اغادرها نحو سيدني ومن ثم الساحل الذهبي (جولد كوست) . ولأنها رحلة استكشاف ومغامرة, كنت مسافرا وحيدا, مع فوج خليط من الوجوه والجنسيات, لا أثر لعربي تأنس به بينهم. دخلنا مطار المدينة, مبنى صغير يناسب حجم المدينة, ومعظم رحلاته على الخطوط الداخلية, أو القادمة من المناطق القريبة مثل سنغافورة واندونيسيا. قبل الوصول إلى موظف الجوازات, وقف شرطي يلازمه كلب ضخم واخذ يوجه اسئلته للقادمين فردا فردا, مرددا نصا محفوظا يقول ان المخدرات جريمة يعاقب عليها قانون هذا البلد, عقوبتها شديدة ـ لا اتذكر هل قال انها تصل إلى الاعدام ـ واخذ يسألني: هل تحمل مخدرات, هل تحمل أدوية, هل تحمل حيوانات أليفة, ففي هذا البلد ممنوع أن تدخل حيوانا من خارج القارة, خوفا على ثروتهم الحيوانية من أية امراض قد يدخلها حيوان غريب, وهل تحمل نقوداً من عملة البلد. لا, كانت اجابتي عن كل الاسئلة, انتهى دور الشرطي, وجاء دور الكلب ليقوم بمهمته في شم الحقيبة التي احملها وصاحب الحقيبة أيضاً, وكان كلبا على غير هيئة لطيفا مثل صاحبه, لم يستغرق الامر سوى ثوان معدودة, وانتهت العملية بعد ختم جواز السفر في لحظات. بوابة بعدها ممر قصير تصطف على جنباته محلات متباعدة, تمثل السوق الحرة للمطار, وتجد نفسك بعد خطوات خارج مبنى المطار. زحام القادمين مقابل قلة حركة سيارات الاجرة والباصات التي تنقل الركاب, الزمني الانتظار في الطابور المنظم, حتى اقتربت سيارة اجرة,صادف ومن حسن الحظ ان سائقها من السكان الاصليين, يحمل سحنة وهيئة الصورة المألوفة للانسان الاسترالي, التي يتحدث عنها فلكلور وثقافة هذه القارة. وعلى غير عادة اصحاب التاكسي, بدأ هادئا في حركته على الطريق, وقليل الكلام, اكتفى ان رحب بي في بلده بكلمات قليلة, وصمت. تناسيت (بيرث) وسألته مباشرة عن (سيدني) , كيف حال الطقس بها, وكم تبعد؟ رد باقتضاب, متشككا انها قد تكون ابرد من مدينته, كما تقول احوال الارصاد, اما المسافة, فان سيدني الجميلة بعيدة, ولا يعرف مسافة البعد بالتحديد, لانه لم يذهب إلى هناك ابدا, وانه يشاهدها فقط في التلفزيون. وصلت الفندق, ومع انه يصنف من الدرجة الممتازة, الا ان مبناه قديم مثل معظم مباني المدينة, ووجه المدينة ينبئك من ساعات وصولك الاولى لها, انها مدينة كئيبة, لا تكاد تلمح بشرا فيها, والشمس لا تقترب من موعد المغيب, إلا وتغط المدينة في سبات عميق, هكذا تعودت في كل الايام والمواسم. ان كنت من المصابين بالضجيج, وتبحث عن الصمت والعزلة, هذه المدينة تناسبك, انها نموذجية في سكونها, كدت اصاب بصدمة السكون الذي يجلب الملل والضجر, لولا نعمة البحر, في صالات الفندق بحثت عن برامج سياحية أو مرشد لأماكن يمكن أن تذهب إليها, لم يكن متاحا توفر خدمة الاستعلام هذه, كان الخيار الوحيد, ان اخرج من الفندق, واذهب, هائما, فالمسافر الوحيد متعته في المشي والاستكشاف الذي تولده الصدفة, وصدفة ان يكون البحر قابعا خلف الفندق الذي اسكنه, يفصل بينهما حديقة خضراء ممتدة, تجملها اشجار عريضة, مرت عشرات السنين والوجوه عليها, ثروة تاريخية وجمالية تضيفها هذه الاشجار على حاضر هذه المدن. ولان هذه الاشجار جزء من تاريخهم, فهم يعتنون بها كثيراً ولا يسمحون لأحد, مهما كان هذا الاحد ان يعتدي عليها, ويزعجها, انها مقدسة ومقدر تاريخها ودورها في العطاء والوجود بينهم, اجمل ما شاهدت في هذه المدينة صفاء بحرها, انه يسكن شواطىء نظيفة, ممرات مرصوفة تغريك بأن تمارس المشي والرياضة وتمنحك مزيدا من الهدوء في مدينة السكون, مسموح لك أن تقترب من البحر, وان تجلس وتتحدث له إذا رغبت في ذلك, ولكن غير مسموح لك ان تلوثه, أو ان تتعدى عليه وترمي فيه مخلفاتك مهما كانت صغيرة, وهناك من غير أوامر مانعة ومحذرة, لا احد يسمح لنفسه ان يكون سببا في تلوث البيئة, وكل فرد شرطي معني بهذا الامر اذا شاهد من يخالف الزامية المحافظة على النظافة العامة. اتذكر اليوم, بعد هذا العمر الزمني الذي يفصلني عن زيارتي اليتيمة لها, ذلك البحر الساحر وتلك الحدائق التي هي جزء من طبيعة خلابة, واتذكر ايضا تلك المنطقة التي دخلتها صدفة, اخذتني لها رحلة المشي اليومية, فبعد ان نامت المدينة مع نومة الشمس في مغيبها, وجدتني امام مبان مختلفة التصاميم والديكورات وفلاشات من الاضواء الملونة, حركة الناس توحي ان هنا شيئا مختلفا عن رتم عموم المدينة, هذه المنطقة, منطقة مطاعم, معظم مطابخ الشعوب ممثلة هناك, هذه التظاهرة المطبخية شاهدتها في منطقة اخرى من العالم على ساحل مدينة (كيب تاون) بجنوب افريقيا, في هذا المكان تصطف دكاكين العالم, كل دكان يقدم اصنافا من اطباق البلد الذي ينتمي إليه, وايضا عادات هذا الشعب في المأكل والملبس, والتنظيم, في الزيارة الاولى وجدتني ابحث عن النكهة الهندية, اما اليوم التالي فكنت فيه بضيافة المطعم الصيني, ولم يكن هناك متسع من الوقت لتجريب بقية الاصناف. حان موعد المغادرة, وكانت لحظة سعيدة, الساعة التي ودعت فيها بيرث الصامتة الساكنة, إلى مدينة مختلفة, لا تشبهها ابدا إلى سيدني الجميلة. سعيد حمدان