في اعالي رؤوسنا نحن بني حواء وآدم, ركبت آلة ندعوها العقل, ولكننا لا نعلم الا القليل عن تركيبها, والنزر اليسير عن صلاتها واعصابها, ونكاد نستوي جميعنا في الجهل بطريقة عملها وآلية سيرها, ولكنها.. هذه الالة بالذات, هي كل شيء فيك وكل شيء فيّ, وهي كما يقولون الشيء الذي من اجله ندعى انا وانت بأننا بشرا , وننتسب الى المجموعة التي ميزت نفسها بحق او بغير حق بين الكائنات باسم الانسان, وليست هذه الالة بالضخمة, انها لا تتجاوز في الحجم قبضة الكف, ولكنها مع ذلك تتناول الكون والافلاك, وليس لها هسيس ولا نسيس.. انها تعمل بأعمق الصمت, ولكنها مع ذلك ملأت تاريخ الانسان ضجيجا واحداثا عظاما, ولا يزال لها في كل زاوية من زوايا الكون, هذا الكوكب الارضي, صدى لاتكاد تسمعه الآذان, انه يهز القلوب هزا وليس له من وجود لدى غير الانسان. وتسأل عن سبب تميز هذا المخلوق وحده فتسمع الشتيت من الردود, ولن تنتهي التفاسير اذا نحن طاردناها, مادامت المشكلة قائمة تتحدى الفلاسفة وعلماء الاحياء وذوي الالسنة, ولعله لا يهون من الامر كله الا شيء واحد يمكن ان نستخلصه دون كبير عناء من ذلك التعقيد الفلسفي, هو ان الفكر شيء انساني ولا يختلف احد في هذا طبعا, ولعلهم لا يختلفون ايضا في الحقيقة الاخرى وهي ان ابن آدم كان انسانا منذ استطاع تحريك هذه الالة في رأسه على نحو يخالف السرمدية الغريزية وتكرارها الرتيب, وفي فكره المتمرد يكمن معنى انسانيته واذا كان الناس حسب هذه المفردات الشائعة في العصر الحديث يولدون احرارا, فالفكر منذ ولادته كان ايضا حرا, لأن التمرد كان علة وجوده.. فمن الممكن ان نلقي في الاصفاد كل شيء باستثناء الفكر. من الممكن ان نسجن الجسد؛ الآمال, لكن كيف لنا ان نسجن احلامنا وافكارنا وتصوراتنا. صعب, مستصعب ان يكون الفكر الا حرا ابدا. محمد خليفة