طلعت في دماغه!عندما اقترب الأتوبيس القادم من المعادي متجها إلى العباسية عن طريق الأزهر, من المنحنى المتجه إلى الأزهر مضى مباشرة مواصلا سيره في شارع الخليج أو بورسعيد كما يسمى الآن . قمت من مقعدي فجأة مما جعل عدداً من الواقفين يتطلعون أثناء تدافعهم للجلوس, تجاوزت الزحام إلى السائق متسائلا عن السبب الذي جعله لا يدخل إلى الأزهر ؟ نظر إلي ثم إلى الطريق الغاص بالعربات والباعة الجائلين والمارة, هذا الزحام الذي يتزايد قبل الإفطار الرمضاني, قال بلا مبالاة.. (لن أدخل الأزهر.. طلعت في دماغي أمشي من هنا..) . لم أجادله, وانتظرت حتى بلوغه ميدان باب الشعرية وتوقفه بعيدا عن أي محطة, بدا مستهينا, ساعيا إلى الشجار, لم أتظاهر بعد نزولي بتدوين رقم السيارة كما يفعل بعض الأفندية الذين يتظاهرون بالأهمية وافتعال مظهر السلطة بأي درجة من درجاتهم, لم يعد لتلك رهبة, وإذا كان الأفندي مهما حقا فلماذا لم يركب عربة أجرة, وإذا كان مهما حقا وصاحب جاه فأين عربته الخاصة؟ كل ما فعلته أنني عدت أقرأ اللافتة المعلقة على الأتوبيس لم أخطئ (المعادي ـ الحسين ـ العباسية) , فكرت في آخرين ينتظرون عند محطات الأزهر والدراسة, لكن الأتوبيس لن يصل لسبب بسيط هو أن السائق طلعت في دماغه؟ اتجهت إلى شارع أمير الجيوش مهونا طول المسافة التي يجب أن أقطعها حتى ميدان الحسين بمروري في شارع المعز, والذي يتدثر بظلال غميقة, وتهب عبره نسمات الماضي البعيد قبل الغروب, لعلي آتي من زمني المنقضي بلحظة بهجة أفلتت, لكني لابد أن أسرع فثمة أصدقاء ينتظرون وأنا المسئول عن الحجز في مطعم الدهان الشهير, رحت استعيد لحظة التحدي والاستهانة, وملامح السائق المرهقة وملابسه البالية, لم يعد لسائقي النقل العام أو المحصلين أزياء خاصة بهم, أو حقائب جلدية معلقة يجمعون فيها الايراد. رحت أسأل نفسي : ماذا طلع في دماغه بالضبط؟ لقد حاد عن خط السير المحدد له وسلك طرقا أخرى, ولم يعبأ باحتجاج بعض الركاب أو نظرات الضيق في عيون بعضهم, انه يجلس وراء المقود عدة ساعات يوميا ويسلك نفس الطريق, ومهنة السائق هي الوحيدة التي لا يمكن معها الكسل أو التزويغ أو القول الشهير (فوت علينا بكرة) .. هذه مركبة, سواء كانت عربة أو تراما أو قطارا يقوم من مكان ويصل الى مكان آخر ولا بديل, ناهيك عن زحام المدينة الذي يجعل بعض أصحاب العربات الخاصة يضجون من القيادة لساعة أو بعض الوقت, ما البال بمن هو مزروع على كرسي القيادة لمدة سبع أو ثماني ساعات, هل أراد السائق أن يخرج عن المسار المحدد له مرة؟ هل هو نوع من التمرد الخفي؟ هل هي فكرة مفاجئة واتته, ألا يدخل شارع الازهر ويدخل من شارع آخر؟ لقد كان محددا.. واضحا وهو يقول لي (طلعت في دماغي) . لكنه إذا أراد التحدي فأين من يتحداه؟ زمان كان المفتش يصعد الى تلك المركبات وكان ظهوره ذو هيبة عند الركاب وعند المحصل والسائق, نادرا ما أرى الآن أحدهم, وإذا ظهر فأنه يبدو رث الهيئة, متعب الملامح, لا يتسق مظهره مع كلمة (مفتش) .. إذن.. من يتحدى هذا السائق؟ الركاب؟ معظمهم بسطاء, لا رغبة عند أحدهم في الشجار أو اثارة المشاكل خاصة في هذه الساعة التي تسبق الافطار وكل منهم حريص على الوصول في وقت مناسب قبل الغروب, أما الواقفون على المحطات التي لن يصلها الاتوبيس فمن يسمع شكواهم إذا رفعوا الصوت. من يصغي الآن, ومن يسمع من ؟ بل.. من يحاسب من ؟ هل يعي السائق ذلك حقا؟ هل يعي أن بعض الكبار يخطئون ونسمع عما أقترفوه لكننا لا نسمع عن حساب جرى أو عقاب تم, وماذا يعني الأمر بالنسبة لما تردده الاشاعات المفزعة اذا ما قورن الامر بمجرد خروج مركبة عامة عن الخط. لا.. لم أقتنع, يبدو أنني أتلمس للسائق عذرا بتأثير تعاطف رومانسي قديم مع الطبقة العاملة. وماذا عن الآخرين المنتظرين بلا جدوى عند محطات لن يمر الاتوبيس عليها؟ وجدت نفسي مدفوعا الى المقارنة.. في العواصم الأوروبية التي زرتها, كنت أقرأ مواعيد الأتوبيسات مدونة على لوحة مثبتة إلى المحطات, توضح الدقيقة والساعة, بل وأحيانا الثواني, وكثيرا ما كنت أتطلع الى الساعة متحديا ولكن.. في الوقت المحدد تماما يصل السائق الأنيق الذي يبدو هادئا, واثقا وهو يقود المركبة ويقوم بدور المحصل أيضا, وقبل بلوغه المحطة يعلن في مكبر الصوت عن اسم المحطة التي ستصل إليها المركبة. عند بلوغي قبة قلاوون ابتسمت, لمت نفسي, هل سأفعل مثل البعض؟ تذكرت أحد المعارف, بعد سفره لأول مرة الى الولايات المتحدة أصيب بالمقارنة, فإذا رآني صدفة بدا ساخطا ثم يدفع الحديث بمناسبة وبدون مناسبة الى المقارنة. هل رأيت الزبالة في الشارع.. هذا لا يمكن أن تراه أبدا في أمريكا؟ هل ذقت طعم الزبادي الذي يعلنون عنه.. هل شعرت بمرارته.. مثل هذا لا يمكن أن تراه في أمريكا. لا.. بالتأكيد لن أصاب بداء المقارنة هذا, وإنما سأحاول أن أفهم في ضوء ظروفنا, عدت الى السؤال المحير, ماذا طلع في دماغ السائق؟ استبعدت كل ما دار بخاطري عن الحرية الداخلية والاجتماعية لا داعي لتضخيم الموضوع أكثر من اللازم واعطائه ابعادا فلسفية.. إذن ماذا طلع في دماغه؟ هل تساعدني اللغة؟ رحت استعيد ما أعرفه عن كلمة (طلع) , المقصود بطلع, طلعت الشمس والقمر والفجر والنجوم, والمطلع: الموضع الذي تطلع عليه الشمس, ويقال: نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر وطلع فلان علينا من بعيد, وطلعته يعني رؤيته, يقال: حيا الله طلعتك, وطلع عليهم: آتاهم, وطلع عليهم تعني غاب أيضا, وطلعة الرجل تعني شخصه وما طلع منه, وأطلع رأسه إذا أشرف على شيء, وأطلعه على الأمر: أعلمه به. المعاني عديدة يضيق عنها المجال, لكن ما دون في القواميس القديمة, لابن منظور وابن سيده والفيروز ابادي لم يقدم إلي أي مساعدة في تحديد المعنى الذي أراده السائق, خاصة أن الطلوع تم في دماغه فجأة, مرة أخرى استعدت ملامحه, وعلى البعد اكتشفت فيها تحديا من نوع آخر ومغامرة, بل.. واستهانة. التحدي لنظم مستقرة أو مدونة, يجسدها الخط الذي يسلكه الأتوبيس والمعلن عنه من خلال العديد من اللافتات, سواء بالمحطات أو على الأتوبيس نفسه, وهذا الخط جزء من خطة وضعتها الهيئة لتغطية القاهرة بشبكة مواصلات. إذن.. فالتحدي موجه إلى هذا النسق, إلى تلك الخطة, وعندما نقول أن فلانا (طلعت في دماغه) فان ذلك يعني الخروج عن الخطة, عن الإطار وهنا لن نجد السائق بمفرده, بل كثيرون وعلى مختلف المستويات, بدءا من القيادات العليا في تاريخنا العربي القديم والحديث سنجد أنها بشكل أو بآخر (طلعت في دماغ أحدهم) .. أثناء خلوة أحدهم أو عزلته أو اجتيازه المجال الجوي لبلد ما.. يتساءل أحيانا بعض القراء في بريد الصحف عن سبب التغيير المفاجئ في رصف شارع أو تغيير الأسفلت بالحجارة, وكثيرا ما يكون وراء بعض هذه المظاهر والمتغيرات ـ إذا استبعدنا المصلحة ـ سببا أدى إلى طلوع الفكرة في الدماغ. وإذا كان الطلوع المفاجئ يعني الحياد عن النسق, الخروج عن الخطة, فإنه يعني أيضا الاستهانة, وعندما يضعف مبدأ المساءلة, عندما يغيب الردع للخارج عن الأخلاق, عن المجتمع, عن القيم, عندما يختفي الحساب ولا نسمع عن أي جزاء تم توقيعه على المخطئ, عندئذ تتعدد حالات الخروج, غير أن الطلوع المفاجئ في الدماغ أمر مستحب في الإبداع, وما من فكرة فنية أو مشروع إبداعي إلا وعرف صاحب هذه اللحظات المباغتة التي تبدو كالبرق الخاطف, وخلالها تتبلور فكرة, أو يكتمل حل, غير أن الطلوع إذا تم في شأن يخص المجتمع أو الناس ومصالحهم فإنه يصبح مربكا, محيرا.. تماما كحيرتي إزاء السائق الذي قال بكل بساطة واستهانة ممزوجة بتحد غامض. (طلعت في دماغي أمشي من هنا..) . حمانا الله من أضرار الطلوع المفاجئ في الدماغ. الجمعة: فيلم! جرى الحوار بين صديقتين, وأصغيت إلى بعضه صدفة ثم انصرفت إلى أفكاري الخاصة. كانت الأولى وهي شابة تشكو لصاحبتها ما جرى من زوجها, أنه يعمل في أحد البلاد العربية وبعد غيبة تقارب العام عاد, وعندما رآها في انتظاره باسمة, وقد اتخذت كامل زينتها صاح غاضبا.. (أيه ده.. أنت هتعملي لي فيها فيلم؟) . كانت نبرتها شاكية فهي لم تسع إلى إغضابه. تذكرت حمالا عجوزا في سوق الحمزاوي, وقف شاب يجادله, أعرفه بائعا للعطر, أحتد كل منهما على الآخر, فجأة صاح الشاب: (نهارك مش فايت.. ما دمت ناوي تعمل لي فيها فيلم..) . في عربة ميكروباص راح أحد الركاب في النوم, ارتفع شخيره, كان شابا يقترب عمره من الثلاثين, بدا مرهقا, عند اقتراب السيارة من مستشفى المعادي أمسك جاره بذراعه, بدأ يصيح (أصح يا أخ.. مش قلت إنك عاوز تنزل المستشفى..) . بدا الشاب قادما من نوم عميق, كان يمر بهذه اللحظات الفاصلة بين اليقظة والنوم حيث تتماهى الموجودات وتختلط المرئيات وخلالها ربما يفقد الإنسان وعيه بالزمان والمكان, غير أن الشاب صاح متحسرا, متأسفا.. (ليه بس كده.. دا الفيلم كان بالألوان وآخر حلاوة, قطعتوا الفيلم الحلو ورجعتوني للقرف تاني..) . ثم تلفت حوله بسرعة وطلب من السائق التوقف وغادر العربة مهرولا إلى مكان وقصد ما. في ميدان السيدة نفيسة قرب منتصف الليل, حيث لا تنقطع الحركة ويأتنس المريدون بالمقام الطاهر, يجلسون جماعات حول المناضد الصغيرة يحتسون الشاي والقهوة. قرب مدخل المسجد جلس رجل في منتصف العمر, كان يتحدث إلى سبعة أو ثمانية أشخاص, بدا واضحا أنه بمثابة شيخهم, وأنه سالك في طريق الصوفية, كان يتحدث عن المراحل والسلوك وآداب الطريق ثم يكرر. (أما الدنيا وما يجري فيها فيلزم لها قول آخر.. هذا فيلم لا علاقة لنا به) . ويقول في موضع آخر (.. وبعد ذلك دعونا من هذا الفيلم..) . كان لفظ الفيلم يعني عنده الأمور الدنيوية وما يجري فيها, ولكن اللفظ يكتسب دلالة مختلفة طبقا لظروف الحوار والمكان والحديث, وفي جميع الأحوال لا يعني الأمر المعني المباشر للكلمة, إنما يخرج بها إلى دلالات أخرى يمكن تحديد بعضها أحيانا ويصعب ذلك في مرات أخرى. يقول الصديق المخرج توفيق صالح إن كلمة (فيلم) حلت مكان لفظ (حدوتة) في الزمن القديم, لأن الفيلم أصبح حدوتة العصر الحديث, ويبدو هذا التفسير معقولا إذا تذكرنا العبارات التي تقول: (أنت حتعمل لي حدوتة؟) . أو (سيبنا من الحدوتة دي..) . نعم, الفيلم هو حدوتة العصر, هو بديل الحكاية, وهكذا تستجيب اللغة العامية بحساسية عالية للمتغيرات, وظروف الواقع, ربما يبدو هذا التفسير معقولا, إلا إذا كان هناك تفسيرات أخرى, فربما بلغت بعض أمور حياتنا حدا لا يصدق من اللامعقولية فرأى فيها القوم أمورا تستعصي على التصديق والاستيعاب فقطعوا أن الموضوع كله عبارة عن (فيلم) , لكن.. إذا صح هذا التفسير فإن منطوق اللفظ لم يحدد مدته, ولا نوعه!!.