اننا في الواقع نتنفس من الهواء بغير جهد, الأفكار التي ماتت من أجلها النفوس العظيمة, ولو أن معجزة حذفت من التاريخ أسماء الأنبياء والعلماء والمفكرين والأبطال والأدباء والفنانين.. فماذا يبقى في تاريخ البشر زيادة عما في تاريخ قطيع من القردة او سرب من الطيور ؟ ولو ان ذلك الرعيل العظيم من الرسول الأعظم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم الى السيد المسيح, ومن الخوارزمي الى كوبرنيك ومن المعري الى فولتير.. وغيرهم, لو ان هذا الرعيل ما عرفوا نور الأرض ولا ترابها, فماذا تراه يكون هذا الجنس الانساني الذي يزحف على وجه الكوكب؟ وقد نتصور بعد ان تمرد الفكر امراً قريب المنال بدليل ان لا شيء يمنع الانسان من التفكير فيما يشاء, وقد يظن متفائل انه من السهل اقناع الناس بضرورة ذلك التمرد ووقائه, وبفائدته ما دامت عجلة الانسانية تأخذ جزية من اضلاع المبدعين والمتمردين, بل لقد نفرط في التفاؤل حد القناعة بهذه المبادىء التي قررت للانسان منذ سنوات حقه في التحرر من الجهل والخوف, لقد أصبح ذلك حقاً من الحقوق الطبيعية للبشر, ومع هذا فليس من السهل ابداً الدفاع عن هذا الحق الطبيعي الخصب الا بالجهد, واحراق الاعصاب للابداع ورفض المألوف لابتكار غير المألوف. ليس من السهل ذلك لأنه لا عداء أشرس من عداء فكر.. وكم من فكرة حرة احترقت على شفتي العلماء والمفكرين, وكم من دماغ حر دخل الى محاكم التفتيش فخرج شلوى على الأعواد.. ولا تسأل عدا الفكر المتمرد بعد هذا, هل مات ذلك الفكر الذي اسكتوه أو خنقوه؟ إنهم لا يدركون ان النبتة القوية لا تموت, وأن رفقة الحياة المتسامية لا يمكن ان توقف, وأن الذين اسكتوا الفكر ما أسكتوا غير الشفاه والذين احرقوا الكتب في التاريخ ما أحرقوا غير الورق, والذين قتلوا ما فازوا بغير الجسد, ويبقى الفكر المتمرد لا يمكن ان يسكت أو يحرق او يقتل, لأنه السر في تقدم الانسانية, والسر في اتجاه الانسان الى قرب درجات الكمال. ان الخنجر كما قال أميرا برونسستي ايام الحروب الدينية الاوروبية الخنجر لا يجدي شيء ضد الروح.. ابداً لا يجدي. محمد خليفة