سبق ان كتبت عن العوامل الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تؤدي الى انحدار استخدام اللغة العربية في السياق الثقافي العام. خصوصا بعد ان لاحظت تدني طرائق الاداء اللغوي حتى في المستويات والجماعات التي ينبغي ان تتميز بسلامة ادائها اللغوي, وتبرأ من العجمة والمعاظلة والركاكة , او غير ذلك من علامات الضعف اللغوي الذي شاع الى درجة مخيفة, ولا يخلو من هذه العلامات خطاب بعض الذين يتحدثون ليل نهار عن احترام التراث وضرورة العودة الى الماضي ومن ثم مهاجمة ما يرونه تغريبا وابتعادا عن جذور الهوية واصولها, الامر الذي يدفعهم الى التلويح بتهم التكفير التي يطلقونها كالرصاصات على خصومهم في الرأي او الاتجاه او الاجتهاد. وذلك حال يكشف عن تناقض موقف هؤلاء المتعصبين الذي يدعون حماية تراثهم وهم لا يتقنون لغة ذلك التراث التي تتهشم في مخاطباتهم اللغوية التي تخلو من السلامة في مواقف كثيرة. ولا يختلف عن هؤلاء المتعصبين للقديم المتعصبون للوجه الآخر من العملة, اعنى اولئك الذين يعانون من عقدة (الخواجا) وهي عقدة نقص يعانيها الكثيرون من المثقفين شعوريا, او لا شعوريا ازاء الثقافات الاجنبية, ويترتب على هذه العقدة الميل الى استخدام التراكيب الاجنبية بدل العربية واقحام الكلمات او العبارات او الاصطلاحات الاجنبية بمناسبة او غير مناسبة والبعض يفعل ذلك بوهم عدم وجود مقابلات دقيقة في اللغة العربية لما ينقله عن اللغات الاجنبية, مع انه لو اجهد نفسه وعرف لغته جيدا سهل عليه اكتشاف هذه المقابلات. والبعض الآخر يفعل ذلك قاصدا الى زخرفة الكلام, او تأكيد سطوة معرفته بثقافة الآخر المتقدم ولغته او اعلانا للوجاهة الثقافية وسعيا وراء التأثير في المستمعين او ابهارهم. ويتصل بهذه العوامل فقر الاداء اللغوي عند بعض شباب المبدعين الذين لم يقوموا بواجبهم في اتقان ادواتهم اللغوية ومعرفة اسرارها التي تعينهم على التميز في الاداء وبدل معالجة هذا الفقر ومحاولة تحسين المعرفة باللغة التي هي الشرط الاول للابداع يلجأ بعض هؤلاء الشباب على سبيل الآلية الدفاعية ـ الى التعلل بأهمية التمرد الابداعي وتكرار شعارات كسر رقبة البلاغة ومن ثم تبرير الاخطاء المعيبة بأنها تجليات الفعل التدميري للذات التي تنقض كل قاعدة, وقد يصل الحال ببعض هؤلاء الى السخرية من حرص غيرهم على سلامة الاداء اللغوي, وينسى هؤلاء للاسف الفارق الجوهري بين السلامة اللغوية التي هي الشرط الاول لسلامة التوصيل والبلاغة التي يمكن التمرد على قواعدها, بل كسر رقبتها اذا اصابها الجمود, كما ينسى هؤلاء ان اللغة في حالة الابداع الادبي على وجه الخصوص هي المادة الخام التي لا يمكن لأحد ان يبتدع بها وفيها ـ او منها ـ إلا بعد ان يعرف اسرار دقائقها الايقاعية والتركيبية والدلالية ويصل في هذه المعرفة الى الدرجة التي يتمكن معها من اعادة انشاء علاقات هذه اللغة في علاقات جديدة لا تخرج على قاعدة السلامة اللغوية وانما على قاعدة العرف والعادة. واتصور ان خلل الاداء اللغوي الشائع بين الكتاب الشبان بل بين بعض الكبار للاسف انما هو نتيجة مباشرة من نتائج خلل العملية التعليمية وعجزها عن تطوير نفسها بما يرتفع الى مستوى المشكلة العامة لضعف الاداء اللغوي في المجتمع, فأنظمة تعليمنا لا تزال على ما كانت عليه من تقاليد بالية في مجالات كثيرة, على رأسها مجالات التعليم اللغوي التي لم تتطور الى اليوم بما يتناسب واحتياجات العصر, بل بما يتجاوب والدوافع المتكررة الملحة لإصلاح التعليم اللغوي, ولا فارق في ذلك بين تعليم اللغة القومية واللغات الاجنبية في مدارسنا الحكومية وجامعاتنا, فالخلل في تعليم اللغات عام وشائع يلقي بثقله على تعليم اللغة القومية التي توضع مشكلات تعليمها في ذيل قوائم الاولويات لعدم اخذها مأخذا جادا في التعليم والى اليوم لا نزال في انتظار مخططات اكثر ثورية في تحديث طرق تدريس النحو وبرامج اكثر عصرية في التدريب على النطق وعناية مفقودة بتعليم الاملاء وتحسين الخط وخللا في التخطيط لبرامج تطوير التدريس, ولذلك فنحن لا نزال في انتظار عمليات تحديث ثوري جديدة ومبتكرة تنقلنا الى افق جديد من التعليم وافق جديد من البحوث التربوية والتقنية في آليات التعليم اللغوي واساليبه. واتصور ان هذا البعد الاخير للمشكلة هو بعدها الاول ذلك لان التعليم خصوصا في مراحله الاولية ـ هو حجر الزاوية في التثقيف اللغوي للناشئة الذين لابد ان ينشأوا نشأة لغوية سليمة في المدرسة على الاقل, ولن ينصلح حال تعليم اللغة القومية في المدرسة إلا اذا تشرب التلامذة حب اللغة من اساتذتهم الذين يجب ان يعدوا اعدادا تربويا وعلميا مغايرا, وان يواصلوا البحث والتدريب دون انقطاع, او على الاقل يلتحقوا بدورات تدريبية دورية لتطوير ادائهم وان يكونوا قدوة لطلابهم في تجنب الخطأ والتقعر في الوقت نفسه وايثار السلاسة الفصيحة في التعبير. ويمكن ان نضيف الى ذلك اهمية تشجيع الطلاب على التميز في معرفة لغتهم وامتلاك ناصيتها التعبيرية بمسابقات جادة لها احترامها. وفي الوقت نفسه تشجيع الباحثين على مواجهة مشكلات تعليم اللغة وتدريسها في المراحل المختلفة وتكليف جماعات منهم بالتفرغ لابتكار اساليب فاعلة في تبسيط القواعد النحوية وتقريبها الى افواه الناطقين باللغة العربية. وفي الوقت نفسه تطوير اللغة القومية ضمن منظومة اشمل لتطوير تعليم اللغات كلها لان ضعف عملية التعليم وسلبية نواتجها امر عام في المدرسة العربية التي لا يزال نظامها التعليمي في خطر اليوم, ومن المحزن اننا نرى في هذا المجال الاستخدام المذهل للحاسوب (الكمبيوتر) في عمليات تعليم اللغات الاجنبية واتقان ممارستها ولا نلمح ذلك في لغتنا, ورغم ان لدينا بعض المحاولات في هذا الاتجاه, ومبادرات فردية لها وزنها, فإننا لا نزال في مرحلة البداية التي لم تصل الى المستوى المأمول, وسبب ذلك انها محاولات لا تجد الدعم الكافي والاحتضان الواجب من مؤسسات البحث العلمي في الدول العربية. لكن يبقى بعد ذلك كله تأكيد ان معالجة اي جانب من جوانب المشكلة العامة لضعف الاداء اللغوى لن يحل المشكلة مهما كان الاصلاح جذريا في هذا الجانب او ذاك, فلا معنى لإصلاح التعليم في المراحل قبل الجامعية, مثلا إلا بإصلاح مراحل التعليم العالي وتحديثها جذريا, وذلك في منظومة متكاملة لا تفصل بين الاستاذ والطالب او بين السبب والنتيجة. واهم من ذلك منظومة لا تفصل بين المدارس الخاصة والمدارس الحكومية العامة, فلا تترك المدارس الحكومية تتخبط في عجزها الناتج عن اكتظاظها بالاعداد الضخمة التي لا تحتملها قدرة هذه المدارس في بعض الاقطار العربية اضف الى ذلك فقر هذه المدارس المدقع في الاجهزة العامة التي تبدأ بالمكتبة ولا تنتهي بالمعامل الصوتية الحديثة ناهيك عن جهل القائمين عليها بالطرائق المتطورة للتعليم, وبالقدر نفسه لاينبغي ترك المدارس الخاصة دون مراجعة مستمرة لاوضاع تدريس اللغة القومية فيها والعناية بها على نحو يكافىء العناية بتدريس اللغة الاجنبية التي تنتسب اليها هذه المدرسة او تلك. ولن تكتمل حداثة المنظومة التعليمية التي اتحدث عنها, في علاقتها بتطوير تعليم اللغة القومية, ما ظل نظام التعليم منقسما الى قسمين, تعليم مدنى وتعليم ديني, وهو انقسام يوازيه تعدد لا يخلو من تضارب في اعداد من يتولون تدريس اللغة العربية في مصر على سبيل المثال, فبعض هؤلاء يتخرجون من اقسام اللغة العربية بكليات الآداب في الجامعات المصرية, وبعضهم الثاني يتخرج من كلية اللغة العربية بالازهر, وبعضهم الثالث من كلية دار العلوم, وبعضهم الاخير من كليات المعلمين, وكل هؤلاء يتعلم بطريقة مغايرة, ويفهم اللغة فهما مختلفا بأكثر من معنى, سواء في علاقتها بالتغير او علاقتها بالجديد من الابداع, الامر الذي يؤدي الى تنافر الرؤى لاختلاف التكوين الثقافي, وتضاد الاساليب لتعارض برامج التدريب الجامعي, ولا علاج لهذا الداء المزمن الا بتوحيد النظام التعليمي, والالحاح على الصفة المدنية للتعليم, وعلى تماثل المناهج المتصلة بتكوين المؤهلين لتدريس اللغة القومية. ولا معنى لتحديث منظومة التعليم في وجود اجهزة اعلام تعمل في اتجاه مناقض تماما, وتشيع نوعا من الاستهانة باللغة القومية في صحافتها او تلفزيوناتها, او تسخر من الحرص على الاداء اللغوي السليم, ولا تكف عن التهكم المتواصل على من يقوم بتدريس هذه اللغة وفي الوقت نفسه, يزداد احترام اللغة القومية بتغيير النظرة الاجتماعية اليها خصوصا في علاقتها بلغات الدول المتقدمة, او علاقة مستويات ادائها بالفوارق الاجتماعية بين الوظائف والطبقات, فاللغة ـ كالعقل في فلسفة ديكارت ـ اعدل الاشياء توزعا بين الناس, وكل متكلم ـ مهما كانت قلة بضاعته منها ـ يمتلك القدرة على ان يصل بها ـ بعون من التعليم والتثقيف ـ الى ذوى الاداء المتميز, تماما كما وصلت بطلة مسرحية (بيجماليون) للكاتب الانجليزي برنارد شو الى ما انسى الجميع مبتدى امرها الاجتماعي والثقافي وبقدر ما يسهم تحديث المنظومة التعليمية في تطوير اساليب الاداء اللغوي, جنبا الى جنب التكوين الفاعل منذ الصبا, فان تضافر المنظومة التعليمية مع المنظومة الاعلامية واجهزة التثقيف العام يمكن ان يكون قوة مؤثرة في تصحيح النظرة الاجتماعية للغة وتعميق الوعي بأهميتها في تأسيس الهوية الثقافية التي تعمل على تنمية امكاناتها الاجهزة الثقافية المختلفة.