قال سيدنا يوسف.. (رب السجن أحب اليّ مما يدعونني اليه) وهي دعوة الانسان العارف ببشريته الذي لا يغتر بعصمته, فيريد مزيدا من عناية الله وحياطته, يعاونه على ما يعترضه من فتنة وكيد واغراء.وسيدنا يوسف, دخل السجن وهو فتى يافع وخرج منه رجلا ملؤه الحكمة والنبوة , فقد تجلت نعمة الله عليه بإعلان براءته لأن عبرة الله لا تخفي الحق وانما تمتحن. ومن قصة نبي الله يوسف يستخلص الانسان الكرامة والاباء والاعتزاز وهي تدر اضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء, وهذا ما جعل الملك في حينه يعجب به حينما قال (ائتوني به استخلصه لنفسي, فلما كلمه قال انك اليوم لدينا مكين أمين) . وبالنسبة لكثير من العباقرة كانت فترة السجن فرصة للابداع والانجاز, فجواهر لال نهرو الزعيم الهندي الأشهر, دخل السجن وألّف خلال سجنه كتابه (نظرة على تاريخ العالم) , والفرنسي فرانسوا ميلون ألّف داخل سجنه رائعته المعروفة (المذكرات الكبرى) , والمتنبي سجنه (لؤلؤ) أمير حمص, وفولتير سجنه ولي عهد فرنسا لنظمه قصائد ضده, والامام أحمد بن حنبل عندما خالف المأمون في الرأي نكل به وأدخل السجن, والبيروني سجنه السلطان محمود الغزنوي. أما في العصر الحاضر فالزعيم الافريقي نيلسون مانديلا, والبوسني علي عزت بيجوفيتش الذي وضع تصوراته عن النظام السياسي للاسلام في السجن يعتبران من أشهر سجناء القرن. ما نريد قوله.. ان السجن لا يقف عائقا أمام الارادة الصلبة والعقلية الحية, فالتكيف والانسجام مع الواقع يولد المقدرة والعزيمة, لتحفيز السجين ان يفعل ما لا يستطيع فعله خارج السجن, بل وتتفجر لديه قدرات استثنائية في حالات متنوعة من الخلق الابداعي. فاذا كان قدر بعض الناس ان يسجن ظلما, أو لذنب مقترف ندم عليه وتاب الى الله, فلا بد لهذا السجين من ان يطوع نفسه ويتكيف مع الواقع, وإلا حطم نفسه بيده. محمد خليفة