عندما توفي الامبراطور هيروهيتو شهدت طوكيو اكبر حشد لرؤساء وملوك ورؤساء ووزراء جاءوا لتشييعه. لم يكن أي ياباني قد ترك أثرا على التاريخ العالمي مثلما تركه الامبراطور الراحل, سلبا او ايجابا.وفيما كانت اليابان تجري الاستعدادات للاحتفال بالذكرى العاشرة لاعتلاء ابن هيروهيتو, الامبراطور اكيهيتو العرش كان ظل آخر ملك ياباني يتخذ صفة مقدسة, وظل الحرب التي خيضت باسمه مخيما على العرش, الذي هو اقدم عروش العالم. وقد احتفلت الحكومة اليابانية بالذكرى في نوفمبر الماضي بعرض عسكري وحفلات موسيقية ومناسبات تذكارية داخل القصر الامبراطوري المطوق بقناة مائية, الهدف منها اشاعة اجواء مهرجانية شعبية لكسر رتابة المناسبات الملكية الاخرى التي كانت تقام في السابق. وعلى سبيل المثال كان بين كبار المدعوين اكبر نجوم لعبة البيسبول اليابانيين هيديو نومو, وفرقتان من فرق موسيقى الروك. وعزفت يويو ما على التشيلو, الاداة التي اتقن اكيهيتو العزف عليها منذ طفولته. وقال اكيتاكا سايكي, الناطق باسم رئيس الوزراء كايزو اوبوتشي ان طبيعة الاحتفالات عكست رغبة اكيهيتو في ان يكون اقرب الى الناس من والده المنزوي مع المحافظة على هيبة العرش في الوقت نفسه. واضاف ساكي: (الشعب الياباني لديه شعور بالقرب, اقرب بكثير مما كانوا يتوقعونه قبل جلوس الامبراطور الحالي على العرش, لقد قام الامبراطور بعمل طيب بادائه مهمته كرمز للأمة. ومع ذلك فان الحساسيات منتشرة في اوساط كثيرة بينها المسيحيون واليساريون, وهي تعتقد ان الحكومة تهدف من وراء خطواتها الحديثة الى احياء المشاعر القومية من النوع الذي كان سائدا في مطلع عهد هيروهيتو. هذه الجماعات انزعجت بصورة خاصة من تعميم دعا الى رفع علم (الشمس الساطعة) على كافة الدوائر الحكومية والمدارس الأهلية بمناسبة الاحتفالات. ان موضوع العلم هو موضوع حساس, فقد اعطى البرلمان مكانة رسمية (للشمس الساطعة) قبل اشهر قليلة رغم الاعتراضات القوية التي استندت الى مقولة ان هذا العلم له صلة وثيقة بالحرب العالمية الثانية وينبغي استبداله. ثمة شبه اجماع بين المؤرخين ان هيروهيتو الذي كان رمزا اكثر من كونه حاكما, لم يلعب دورا اساسيا في عملية اخذ القرار الياباني خلال الحرب, رغم الاعتقاد انه رجح كفة الميزان نحو الاستسلام. كما ان معظم اليابانيين يتذكرونه ليس كامبراطور بلباس عسكري يمتطي حصانا ابيض ـ كما ظهر في الصور الدعائية في مرحلة الحرب, بل كعالم هاو خجول ومحب للطبيعة ـ الصورة التي روجها في السنوات الاخيرة من حياته التي دامت 63 سنة على العرش. ومع ذلك اصبح هيروهيتو تجسيدا للشعور بالذنب الحربي الذي عانت منه اليابان في السنوات اللاحقة. وقد ورث اكيهيتو هذا العبء التاريخي مع العرش. وقال نوبراكي, ممثل (كنيسة المسيح) في اليابان الذي طالب بعدم ارغام جماعته التي تضم 200 الف شخص على المشاركة بالاحتفالات, ان الامبراطور يتحمل مسئولية الحرب العالمية الثانية, ليس كفرد, بل لانه يمثل المؤسسة الامبراطورية. وقد اعتلى اكيهيتو العرش اثر وفاة هيروهيتو في 7 يناير ,1989 الا ان مراسم الاعتلاء اكتملت في اكتوبر من السنة التالية بمشاركته في طقوس قديمة يقال انه يتواصل خلالها مع آلهة الشمس. وحسب الاسطورة, يحتل اكيهيتو المرتبة 125 في الخط الملكي الذي بدأ بالامبراطور جيمو في العام 660 قبل الميلاد. وتلك الطقوس التي تجري وفق تعاليم ديانة الشينتو اليابانية الرئيسية, اصبحت جزءا من احتفالات تنصيب الاباطرة منذ اكثر من الف سنة. الا ان تواصل اكيهيتو مع الآلهة اثار جدلا كبيرا لأن هيروهيتو تنازل عن مكانته الالهية. وكان اكيهيتو اول امبراطور يعتلي العرش بمقتضيات الدستور الياباني الذي كتب بعد الحرب والذي يعتبر الامبراطور رمزا احتفاليا للامة, وليس الها حيا, ولا تزال الدعاوى التي تتساءل حول دستورية الطقوس عالقة امام المحاكم اليابانية. الا ان وديعة عهد هيروهيتو محسوسة اكثر ـ ربما ـ فيما يطلق عليه اسم (دبلوماسية القصر) , فاكيهيتو والامبراطورة ميتشيكو قاما برحلات عديدة الى الخارج. وفي تصريحات معدة من قبل الحكومة حرص الامبراطور على الاعراب عن اسفه للحرب لاعداء اليابان السابقين. الا ان الغضب لا يزال موجودا, فمئات من سجناء الحرب السابقين احتشدوا للاحتجاج عندما زار الامبراطور لندن في السنة الماضية, والخشية من تظاهرات مماثلة حالت دون زيارة اكيهيتو لكوريا الجنوبية التي حكمتها اليابان كمستعمرة من 1901 الى ,1945 وحيث لا تزال مشاعر العداء ضد اليابان قوية جدا. وقد يصبح تغيير هذا الواقع اكبر اختبار لمقدرة اكيهيتو على تجاوز الماضي. فاليابان وكوريا الجنوبية سيشتركان في استضافة مباريات بطولة العالم في كرة القدم سنة 2002. وقد اعرب الرئيس الكوري كيم داي ـ جونج عدة مرات عن أمله بأن يقوم الامبراطور بزيارة سيئول قبل ذلك التاريخ. خدمة ا.ب الامبراطور اكيهيتو والامبراطورة ميتشيكو يبتسمان لمستقبليهما خلال زيارة لاحد دور العجزة في طوكيو