بلاد كثيرة لم أزرها, فمهما سافرت ستظل البلاد التي لم تذهب إليها أكثر من التي ذهبت إليها , ولا تصدق أبدا أن العالم قرية صغيرة, وكنت أعرف دائما أنني لن أستطيع أن ازور كل بلاد العالم مهما علت الصحة وطال العمر, ولذلك ركزت أحلامي على ثلاثة بلاد ظلت غايتي النهائية . البلد الأول هو الصين, وبالطبع تعود فتنتي بالصين إلى بداية العمر ونحن نقرأ (اطلبوا العلم ولو في الصين) وبعضهم أدعى أنه حديث شريف, ولقد بحثت فيما بعد في كتب الأحاديث خاصة صحيح البخاري, فلم أجد أصلا لهذه الحكمة التي ادعوا أنها حديث شريف. ولعلها من الحكم التي يختلط على البعض تمييزها, واذكر أن أحد كبار الكتاب صدر مقال له ذات مرة بكلمات تقول (أتق شر من أحسنت إليه) على أنها حديث شريف, وأذكر أيضا أنني قرأت في صباي (من أحب فعف فمات فهو شهيد) وهذه الكلمات الأخيرة أظن أنها تنتمي إلى مزاج العصر الأموي الذي أفرز شعراء الحب العذري. وكان يثيرني دائما أن الصين التي تعتبر من أقدم الحضارات وقد استمرت حضارتها في الاتصال بغض النظر عن فترات الهبو ط, وهو ما لا نجده في أية حضارة قديمة أخرى. وربما كانت الحضارة المصرية القديمة أكثر الحضارات انقطاعا. فلقد أسدل عليها الستار فجأة, وبدأت منذ القرن الماضي أقصد القرن التاسع عشر طبعا محاولات اكتشافها , و في رأيي ولست خبيرا في ذلك أنها محاولات متواضعة جدا تعتمد على الحدس والتخمين أكثر مما تعتمد على اليقين. البلد الثاني الذي كنت أتمنى زيارته هو أسبانيا , ولقد تهربت من زيارته أكثر من مرة, لأنني لا أتخيل أن أذهب إلى (الأندلس) لبضعة أيام. أردت دائما أن أقضي هناك فترة تكفي لأن أزور أسبانيا كلها, واستعيد تاريخها بأكمله, خاصة وأنني كتبت عن آخر أيامها عملا من أحب الأعمال إلى قلبي هو (ليلة سقوط غرناطة) . وأيضا لأنني عشت التاريخ الأندلسي لسنوات طويلة, ولقد ذكرني حبي للتاريخ الأندلسي بما فعله مؤرخ معاصر هو محمد عبد الله عنان. فلقد كان عنان من كتاب العشرينات اليساريين, وفكر لا أدري لماذا في كتابة شيء عن تاريخ الأندلس , فوجد نفسه يغوص في هذا التاريخ لأكثر من خمسين عاما, ينتج عنها مجموعة كتب متصلة ربما كانت زهرة المؤلفات عن تاريخ العرب في أسبانيا. أما البلد الثالث فهو الهند, وما يقال عن الصين يقال عن الهند, ولكن أصبح للهند شيء خاص في نفسي بعد رحلة إلى شرق آسيا شملت ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وإندونيسيا . فحتى هذه الرحلة كنت أظن أن الثقافة الصينية هي الثقافة الرئيسية في هذه المنطقة, فإذا بي أفاجأ أن الثقافة الهندية هي الثقافة الأم , وأنها تسيطر تماما على (روح) المنطقة, وكان هذا خيالي لزيارة الهند. ورغم الأنفلونزا الشديدة إلا أنني ركبت الطائرة إلى بومبي لأسقط في إغماء لا أفيق منه إلا في نيودلهي, و أفتح عيني على ابتسامات الأطباء , وبدلا من أن أجول الهند ـ كما جال غاندي على قدميه كنت ملقى على الفراش في الفندق, أسمع صوتا مفجعا, وأتحامل على نفسي لأطل من نافذة الفندق, فأجد الغربان تحوم في السماء, ويفزعني هذا. فأنا من أبناء الريف الذين يعرفون أن الغربان لا تتكاثر إلا في المناطق الخالية من السكان. ودلهي من أكثر مدن العالم ازدحاما , والهند عبرت المليار, سألني أحدهم بكم؟ .. فقلت له أظن بمائتي مليون, فقال بعد لحظات: أي أكثر بثلاثة أضعاف من سكان مصر ؟! هذا هو الرقم الزائد فقط. ولا أفهم حتى الآن كيف تتجمع كل هذه الغربان في منطقة آهلة بالسكان, ولكن المرض جعلني أتذكر صورا مشابهة, فالطيور أكثر حدسا بالموت, وخيل إلي أن هذه الغربان أتت لتأكلني إذا جاء قضاء الله. وكنت أحس أنه على وشك أن يأتي. وهكذا أفسدت الأنفلونزا زيارتي للهند, رغم محاولاتي التمرد عليها. واستعادتي لذكرياتي مع يوسف إدريس في صدر الشباب, وكيف كان يسخر منا إذا قال أحدنا أنه مصاب بالبرد, فلقد يرى هذا أهون الأشياء , وكنا نصدق بالطبع, فلقد كان طبيبا حقا أنه بعد ذلك كان يعتذر حتى عن جلائل الأمور لأنه مصاب بالبرد. ولكن ذلك شيء آخر! وبدلا من أن أسافر من الهند وأعيش ذلك الطريق البديع إلى الهند وأحاول اكتشاف شبه القارة الهندية اكتفيت في معظم الوقت بالجلوس إلى جوار النوافذ أو في الفنادق, ومحاولة الفهم والتحليل كأنني أحد المحاربين القدماء يخوض آخر حروبه. وأفزعني ما أراه في الشارع, فأنا لم أر فقرا مثل هذا في أي بلد آخر في العالم على كثرة ما سافرت. منذ أن تقترب الطائرة من المطار تجد مساحات هائلة من الخيام يعيش فيها الناس, ومن الظلم أن تطلق على هذه الأشياء اسم (خيام) , فهي مجرد أمتار قليلة من قماش رقيق, يحجز الرؤية أو بعضها عن الآخرين, والناس في المدن يعيشون على الرصيف يأكلون وينامون ويتزوجون, وأضاف أحدهم ممن يعيشون هناك: وأيضا يموتون! وقال أنه في الصباح تأتي سيارات تحمل الموتى . وأنا لا أرى هذا لكنني أصدقه. وأقلب الصحف فترى هذا الشارع المتردي يتمثل في أخبار سياسية تدل على الفساد والانهيار وأتساءل لماذا يحدث هذا؟ لقد استقلت الهند من نصف قرن, في توقيت متقارب مع استقلال عدد كبير من بلاد العالم النامي, ومعظم هذه البلاد ولظروف تاريخية اختارت الاشتراكية أو شيئا قريبا منها, واليوم يقال أن ما أصابها من تخلف هو نتيجة النظام الاشتراكي أو الشمولي, أو الديكتاتوري أو العسكري أو كل هذا. طيب .. هذا بلد ديمقراطي, بل هو أكبر ديمقراطية في العالم كما يقال, وهذه هي النتائج. هل مكتوب على الدول النامية التخلف سواء كانت شمولية أو ديمقراطية ؟!.. أيكون الأمر سوء إدارة , وأن الإدارة الجيدة بغض النظر عن النظام هي التي تساعد البلاد على التطور والتقدم؟ لست أحب السياسة, ولذلك انقلبت محاولة الفهم والتحليل إلى إحساس بالحزن على هذه القوة الكبرى التي ترزح تحت هذا التخلف الهائل والفقر المدقع. وتحدثت مع عالم سوداني أتى ليكمل دراسته في بومبي, وأخذ يرصد لي مدى التقدم العلمي الموجود في الهند, وكنت أعرف بالطبع أن الهند دولة نووية, وأعرف تقدمها في صناعة الصواريخ والطائرات مثلما يعرف الجميع, وقرأت أيضا عن تفوقها ببعض العلوم مثل الهندسة الوراثية, وأدهشني هذا أيضا , فها هو رأس مفكر وجسد مريض, وهل يصلح هذا مع ذاك. وتمنيت لو أنني رأيت مرة أخرى الفيلم البديع لديفيد ليني (الطريق إلى الهند) لأعرف لماذا سحرني الفيلم أيامها إلى هذا الحد. لقد رأى ما رأيته, لكنه كان يملك كاميرا قادرة على أن تغوص داخل الأشياء , وتعيد تقديمها في صورة فنية رائعة. وهذا ما لم أستطع فعله ربما كنت قادرا على بعضه لولا هذه الأنفلونزا ! وعندما عدت إلى البيت جلست إلى جوار التليفون اسمع الرسائل المسجلة, فإذا بكل الأصوات مصابة بالبرد. وقال لي صديقي: سمعت أنك كنت في الهند! قلت له: غير صحيح .. لكنني سأذهب قريبا. فلقد قررت أن اذهب مرة أخرى, وأن أعيد اكتشاف شبه القارة الهندية!