لم اجد تعبيرا انسانيا ابلغ من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في الظلم عندما قال (الظلم ظلمات يوم القيامة) , فهل اشد على الانسان من ان يعيش دنياه في ظلمة؟! ان من ينظر في حياة الناس من حوله يجد للاسف حالات متنوعة من ظلم الانسان لاخيه الانسان , واشد انواع الظلم هو ما يقع منها على الضعفاء في المجتمع من عمال وخدم ونحوهم, فبعض الشركات وارباب العمل الخاص يتسابقون على هضم حقوق هؤلاء الضعفاء فلا يعطونهم اجورهم او يؤخرون دفعها عدة اشهر مما يلحق بهم وبأسرهم ضررا كبيرا, وهذا ظلم ما بعده ظلم, والوان الظلم متعددة, فالظلم المعنوي الذي ينطوي على تحقير الآخرين والاستهزاء بهم, وتوجيه الكلام الجارح والاهانات ربما كان اشد وقعا على النفوس من الاعتداء الجسدي, وما اسرعنا الى الوقوع في مثل هذه المظالم نتيجة الغضب وتوتر الاعصاب وفورة الاندفاع الاهوج. والانسان العاقل المدرك لطبائع الاشياء ولحقائق الامور يضع ذاته في الموضع اللائق به فلا يرفع بنفسه فوق انسانيته ولايسف الى ما لايناسب مكانته, ومهم جدا ان يعي الانسان مدى وحجم مسئولياته حتى يحصل على التقدير المناسب, لان الذي يتواضع بنفسه في مواضع لاتستحق تنعكس عليه, والذي يرتفع بسلوكه فوق ما تستحقه الامور مصيره الى الانحدار, فاذا تسلق المرء الى مكان غير مكانه فلابد ان يتدحرج الى اسفل ليكون عرضة بأن تدوسه الاقدار لانه تجاهل اقدار الناس في اوج سلطته واساء اليهم في عهد تسلطه واحتقرهم في ظلال بريق مجده فكانت عاقبته الخذلان وعليه ان يتجرع من ذات الكأس كأس المرارة الذي سقاه لسواه, وعندما يتذوقه يتذكر كيف كان يسقيه لضحاياه, يقول تعالى: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار...) فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم. وربما يكونون قد هلكوا على ايديهم, ثم هم يطغون بعد ذلك ويظلمون ويتجبرون. كلنا نحتاج الى ان نراجع ممارساتنا ونحاسب انفسنا فقد نكون ظالمين ونحن لا ندري, وقد نمارس بعض انواع الظلم دون ان نعي العواقب. ولنضع انفسنا موضع الطرف الآخر دائما, فيعتدل سلوكنا.