ويأتي مسلسل أم كلثوم الذي تبثه الفضائيات العربية المتلفزة ـ لكي يشتفي للعبد الفقير كاتب السطور من لائميه الذين اشتكوا يوما بانه يفرط في الحديث عن ام كلثوم. ولسنا في هذا المقام نرد على الشانئين وان كنا نرد عليهم, مبدئيا بمقولة شوقي في نهج البردة : يالائمي في الهوى, والهوى قدر لو شفك الوجد, لم تعزل ولم تلم لقد أنلتك أذنا غير واعية ورب مستمع والقلب في صمم هنالك نصرف النظر عن حديث النفس وهو ـ كما لابد وان تعترف معي ـ حديث ممتع يلذ لكل امرىء ترديده مهما غلّفه المثقفون بالذات بذلك الرداء المستمد من التواضع المصطنع.. نصرف النظر ـ مؤقتا كذلك ـ عن الثأر الشخصي, وهو ثأر ادبي في كل حال, لنقول بمناسبة نهج البردة ان أم كلثوم ـ تاني؟ ـ بعد ان قرأت مع أحمد رامي هذه الابيات التي سقناها وقفت مليا بحاستها الفنية التي ربتها وطورتها وصقلتها ـ اذ كان عجز البيت في الأصل وهو ايضا في ديوان الشوقيات يقول: .. ورب منتصت والقلب في صمم واعربت الفنانة عن عدم ارتياحها ازاء حكاية (منتصت) هذه وخاصة من حيث ايقاعها وجرسها (الراء الساكنه) في الأذن عند الغناء. وهنا خف الشاعر رامي الى معالجة الموقف وسمح لنفسه بتبديل اللفظ الى آخر يحمل معناه ويخف وقعه على الآذان وهو بالطبع (مستمع) على نحو ما انشدته ام كلثوم. اردنا بهذا المدخل أن نعرب عن سعادتنا اذ رأينا وسمعنا وعرفنا عن انشغال القوم في اقطار شتى من وطن العروبة بهذا العمل المتلفز الذي اطل على الابصار والاسماع مع غرة رمضان الكريم من هذا العام. وربما احتفلنا ـ كاتب السطور مرة أخرى ـ احتفالا خاصا بهذا (الرمضان) الذي نحكي عنه, فهو اول رمضان نمضيه ـ بحمد الله ونعمته ـ من أوله في مصر بعد ان منّ المولى علينا فردا وعائلة بأن وضعت تغريبتنا أوزارها وقد استطالت اكثر من عشرين عاما من عمر هذا الزمان. صحيح اننا وجدنا من امر رمضان عجبا في مصر العربية لقد تركناها وتركناه منذ اواخر السبعينيات ويومها كانت فوانيس رمضان التقليدية تضاء في يد الاطفال بالشموع لاتزال وقصاراها في مضمار التطور آنذاك ان يخرج الى السوق, والى ايدي الصبية ايضا جيل من الفوانيس الملونة ـ على وزن اجيال الكمبيوتر مثلا ـ يضاء بالبطارية ولايقتصر اقتناؤه وقتذاك على ابناء الأثرياء والمتنفذين.. اما ابناء الفقراء فيمتنعون ـ ولم يكن الامر صعبا على الفئة الاخيرة في كل حال.. فالشمعة لها سحرها ـ التاريخي كما أقنعوا أنفسهم وألوان ابواب الفوانيس وقيعانها كانت من البهجة والتنوع ماكان يخطف ابصار الفريقين ـ الاغنياء والفقراء على السواء. وقد كنا ـ يعلم الله ـ في حال من الانبهار وقتها ايضا حين فاجأتنا حكاية فانوس تلقمه من اسفله بطارية صغيرة فاذا به يضاء بطاقة كهرباء.. ويومها تداعت الى خواطرنا ذكريات الفانوس العتيق الذي طالما حملناه بعد ان نشف ريق الطفل في مفاوضات ـ ولا مفاوضات الحل النهائي ـ مع الوالد كي ينتقي لنا فانوسا معتولاً من حيث تركيبه وتصميمه ـ لا يسلع الأنامل ولا يخفل بكثير من المسام التي ينفذ منها هواء الامسيات القاهرية فيطفىء الشمعة وطبعا كان ثمنها بالشيء الفلاني.. وكانت المفاوضات تفضي في التحليل الاخير الى نوع من توافق الآراء أو الحلول الوسط كومبرومايز كما يقول المصطلح السياسي في الانجليزية, أولا اكتمك ونحن في رمضان, ان كان هذا الحل الوسط, التوافقي يأتي على حسابنا ولحساب الوالد وهو الطرف الأقوى من حيث القوة التفاوضية باعتباره الذي يدفع الفلوس ومن ثم فقد كان ينعم بداهة بمراكز اليد العليا التي هي خير باستمرار من اليد الممدودة الملهوفة الاخرى, تماما كما تأتي مفاوضات الحل النهائي في غير صالح السلطة الوطنية في ارض فلسطين. مع هذا كنا نقبل ماتؤول اليه آليات المفاوضات فهي في كل حال سوف تهيىء لنا الخروج الى الشارع فور صلاة العشاء وقد امسكنا فانوسا, متواضعا الى حد ما, ولكنه متساو من حيث القيمة الوظيفية او من حيث الاداء, ان لم يكن من حيث القيمة الشرائية او من حيث الحجم وطول الشمعة مع فوانيس ابناء الاثرياء وقد كانوا اصدقاءنا في كل حال, ولم نكن قد عرفنا حكاية الصراع الطبقي بعد, وقد عرفناه للاسف بعد ان خضنا في بحر القراءة المتلاطم وكانت قراءة في بطون الكتب بأكثر من لغة ولاكثر من مذهب اقتصادي ـ اجتماعي ـ ثم كانت قراءة لواقع واحوال المجتمع ذاته ـ وتلك على أي حال قصة اخرى. وكان من دواعي الستر في حكاية الفوانيس ان كنا نلمح اطفالا من زمرة اصدقائنا ايضا يخرجون الى ليالي رمضان وملاعبها وقد خلت ايديهم حتى من فانوس شديد التواضع مثل ما اصبحنا نملكه ونتيه به مطوحّين اياه ذات اليمن وذات الشمال مرددين ـ كما لاشك تعلم ـ الاهزوجة الفكرية العتيقة التي يبدأها المصريون, ومازالوا, بالشعار العتيد الذي يقول (وحوي.. ياوحوي) وقد كرستها في اسماع الناس, جيلا من بعد جيل اغنية الفنان احمد عبدالقادر الشهيرة التي اصبحت علماً يؤذن بمقدم رمضان وتحمل ذات العنوان, تماما كما ان العيد له اهزوجته التي تؤذن بمقدمه السعيد وهي رائعة الثلاثي العريق بيرم التونسي وزكريا احمد وطبعا ام كلثوم بعنوان (حبيبي يسعد اوقاته) وهي ذروة بلغتها العامية في نصاعتها وارتقائها الى مستوى الفصحى (غير المعربة أو المسكونة ـ الساكنة حتى لا يزعل البلاغيون) وان كان اخوتنا البسطاء في مصر يفضلون ان يطلقوا عليها اسمها الشعبي وهو (الليلة عيد) اما لداتنا الذين كانوا يخرجون بغير فوانيس فكان بعضهم يكتفي باستعادة فانوسنا وقد يتحمل اللسع ولفح الشمعة نافذا من فوهة الفانوس شديد التواضع, اما بعضهم اذا كان اكثر دهاء والمع ذكاء واوسع حيلة وربما اكثر تعففا وارفع كبرياء من ان يمد يده الصغيرة لزوم الاستعارة ولو دقائق معدودات. كان هذا البعض يعمد الى التقاط (كوز) من صفيح ملقى على قارعة طريق ينظفه ثم يستحضر شمعة من اي مكان.. يشعلها ويدخلها الى اسطوانة الكوز فتضيء جنباته.. ويمسكه بخرقة ويطلع به الى عرض الحارة يهزه في رصانة واناة.. وكانت النفوس الطفلة تقبل بهذا الحل الموفق السعيد دون نقد او تفعيص او جدال او اعتراض ولقد عدنا ـ كما اسلفنا ـ من الغربة الطويلة فاذا بالامر وقد اصبح عجبا اي عجب.. ارتفع سعر الفانوس الف ضعف وحق الحي الباقي الذي لا يموت.. ولكن زادت تصاميمها ابداعا وتفننا ـ انقرضت بطبيعة الحال حكاية الشمعة المزروعة في بطن الفانوس التاريخي القديم واصبح الجيل الاحدث من فوانيس رمضان يحمل في قعره زرا سحريا يضغط عليه الاطفال, وكثيرا ما يضغط عليه الكبار فاذا به يردد اغنية وحوي ايها, او ينشد اهزوجة اخرى واحيانا يذيع لك انشودة مدائحية ذات صبغة دينية او يكتفي باذاعة الاذان. كل هذا عظيم, وكله تطور وكله تجديد في تجديد ـ لكن كم كانت خيبة الامل الراكبة للأسف قافلة جمال بأكملها حين القينا نظرة فاحصة على علبة الفانوس ماذا به مصنوع في الصين الشعبية التي لم نعرف حتى تاريخه انها اصبحت قلب العروبة النابض وقاعدة دار السلام واريكة حكم المسلمين. انها قوانين السوق يا صديقي ـ اصبحت تستكثر على الناس ان يصنعوا ـ حتى فوانيسهم الرمضانية, لان الاستيراد اربح من التصنيع, وان جلب مثل هذه البضاعة البسيطة ابعد عن تصنيعها في الداخل ولو فتح هذا الصنيع بيوتا واجرى ارزاقا واشبع بطونا.. واذا كان الربح مضمونا وفيرا بل وطائلا فلماذا وجع القلب ودوشة الدماغ؟ نبادر فنقول ان الذي يصدق على فوانيس رمضان ينطبق بدوره على المسابح وسجاجيد الصلاة, وبوصلات تحديد القبلة, وقد رأيت واحدة منها مصنوعة في سويسرا.. ولا عجب, فاخوتنا في مصر استوردوا عجينة الفلافل من.. سويسرا ايضا وكانت تلك من اعاجيب القدر وبلوات هذا الزمان. وها قد وصلنا الى حدود المساحة المكتوبة ولما نتطرق بعد الى حديث مسلسل ام كلثوم.. وهذا بالضبط هو حديث لقاء مقبل باذن الله.