نتشرب حبه منذ الصغر.. نمزجه بدمائنا.. نعلمه أبناءنا.. ونحثهم على غرسه في نفوس أبنائهم.. ننصب منه قيمة كبرى.. نحيطه بهالة من القداسة.. لكننا لا نحوله إلى وثن.. إنه الوطن.. الأرض والسماء.. الصبح والمساء.. الضوء والظلام.. عليه نطبق الجفون في المنام.. عليه نفتح العيون كي نراه في سلام.. في حبه نردد الغناء والنشيد.. وفيه أبدع القريض وانتشى القصيد . هكذا عرفنا حب الوطن.. وحفظنا منذ الصغر: وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي ودرسنا على يد أساتذة التاريخ والتربية الوطنية والادب العربي مجلدات جمعت بين دفتيها ما لا يعد ولا يحصى من المواقف البطولية وقصص الفداء والتضحية من أجل الوطن, حتى غدا حب الوطن قاعدة ومسلّمة لا يختلف عليها اثنان, ولا يمتاز بها شعب عن شعب إلا بمقدار ما يضحي أفراده من أجل حمايته والذود عنه والتمسك بكل شبر من ترابه. ورغم كثرة الامثلة والنماذج.. فان النموذج الشيشاني يفرض نفسه هذه الأيام.. شعب يقل عدد أفراده عن المليون نسمة.. في رقعة جغرافية تبدو كنقطة في جسد الدب الروسي المتضخم غطرسة وحقدا.. ولكنها نقطة اذا اقتربنا منها وجدناها خنجراً مغروساً في منطقة القلب من ذلك الدب العملاق الأحمق, ووجدنا تحتها بحراً من الدماء التي أسالها ذلك الخنجر على مدى سنوات من الصراع غير المتكافئ من الناحية النظرية, الخارق لكل قوانين المنطق من حيث النتائج بحسابات الارقام في العدد والعدة. من تلك البلاد البعيدة عن العين جغرافيا القريبة من القلب وجدانيا وعقائديا وانسانيا جاء (ميربيك) ليقيم بيننا منذ ما يقرب العامين.. سبقته الينا أخبار تلك الحرب البطولية التي خاضها شعبه على مدى عامين مع الدب الروسي الذي أنكر عليهم تطلعهم الى نوع من الاستقلال أسوة بجيرانهم الآخرين, فانطلقت طائراته لتسوي بالارض بيوتهم البسيطة, وزحف عليهم بدباباته وجنوده معتقداً أنها نزهة لن تستغرق منه سوى أيام يعود بعدها بالنصر المؤزر, فإذا بالنزهة تمتد عامين كاملين, يذيق فيهما مجاهدو الشعب البسيط قليل العدد قوي الشكيمة ثابت الايمان جحافل الغزو الروسي كبيرة العدد كاملة العدة شر هزيمة ويلقنونها درساً في الفداء والذود عن حياض الوطن. يتحدث صديقنا (ميربيك) عن وطنه حديث العاشق عن معشوقته.. يصف لنا السهل والجبل والسفح, وينقلنا الى تفاصيل الحياة اليومية في بلد أنهكته الحرب على مدى أعوام طويلة, لم يتخل فيها عن ابائه وصموده وتصميمه على الاحتفاظ بهويته ودينه ولغته.. نسأله عن شكل المدينة بينما يتردد اسم (جروزني) يومياً في نشرات الاخبار وعلى صفحات الجرائد فيقول في أسى: لم تعد هناك مدينة بالمعنى الذي تعرفونه.. فالبيوت تهدمت بفعل القصف, والشوارع محت معالمها جنازير الدبابات والمدرعات ودكتها دانات المدافع والقنابل, أما الخدمات فلم يعد لها وجود اطلاقا.. المياه مقطوعة.. مولدات الكهرباء معطوبة.. الطعام شحيح.. الهواتف معطلة.. المطار مغلق.. وحدها المساجد ما زالت عامرة بالمصلين.. ووحدها البنادق تشاهد في كل مكان.. ووحده صوت الرصاص هو المسموع الآن في شوارع المدينة وضواحيها. ـ والأهل والأولاد والأقارب.. أين هم الآن؟ ـ يجيب في حزن: تشرد النساء والأطفال والشيوخ والعجائز.. الزوجة والأبناء نزحوا الى (انجوشيا) المجاورة حيث عاشوا فترة كلاجئين, ثم غادر الابناء الى سيبيريا حيث تعيش خالتهم.. أما زوجتي فقد رفضت الذهاب معهم بانتظار أن تهدأ الأوضاع قليلاً كي تذهب لتفقد بيتنا, انها لا تستطيع الابتعاد كثيراً عن حدود الوطن. اسأله محاولاً أن أخفف عنه قليلاً: وأنت تطمئن عليهم دائماً بالتأكيد؟ يسرح قليلا ثم يجيب: أعرف جيداً أنهم لا يعيشون هناك في رغد من العيش. أما الاتصالات فهي غير متيسرة كما هو الحال هنا أو في مناطق العالم الاخرى؟ كل ما يمكنني عمله هو أن أنتظر منهم اتصالاً ربما يأتي أو لا يأتي كل شهر مرة أو مرتين على أكثر تقدير.. وبين الاتصال والآخر لا أعلم ما يمكن أن يكون قد حل بهم. اقول له: ولماذا لا تحضرهم كي يعيشوا معك هنا بعيداً عن الحرب وويلاتها؟ فيجيب: عرضت عليهم ذلك قبل نشوب الحرب الاخيرة فرفضوا جميعا... وكان الابناء اول الرافضين للفكرة واشدهم... انهم لا يريدون الابتعاد عن الوطن حتى لا يطيب لهم العيش وتحلو لهم فكرة الاستقرار بعيداً عنه... اعتقدت بعد الغزو الاخير والقصف الذي انهمر عليهم بغزارة اكثر هذه المرة انهم ربما غيروا رأيهم... ولكنني وجدتهم اكثر اصراراً على عدم الخروج من المرة الاولى... بعض الاصدقاء هنا يعتقد انهم مجانين... ولكنني اعرف واقدر شعورهم جيداً... لقد كنت هناك عندما نشبت الحرب الاولى بين عامي 94 و96 وكنت اكثر منهم تمسكاً بالبقاء... ان تشبث الانسان بأرضه يزيد عندما تتعرض هذه الارض لعدوان خارجي وتصبح مهددة بالوقوع في يد الاعداء وتحت سيطرتهم... تمر امام عينيه كل ذكريات الطفولة, وتحضر في ذهنه كل الصور التي عاشها في وطنه... حتى المؤلم منها تصبح له قيمة في هذه اللحظة بالذات وينزع عنه الخوف على الوطن كل احاسيس الالم ومعانيه. يطرق قليلاً ثم يواصل: هل تعلم انني افكر منذ فترة في العودة الى هناك لكن امرين يحولان دون ذلك. الامر الاول ان الوصول الى داخل الحدود اصبح شبه مستحيل بعد احكام الحصار على العاصمة واحتلال ضواحيها... اما الامر الثاني فهو خشيتي اذا ما فشلت في الدخول ان اتحول الى لاجئ اعيش في خيمة اتسول الطعام من لجان المساعدة الدولية التي نشاهدها على شاشات التلفزيون توزع الاغطية والغذاء على الاطفال والنساء والعجائز... وعندها يكون الموت اسهل على المرء الف مرة من رؤية نفسه في هذا الموقف. الوطن يا صديقي هو الكرامة وعندما يفقد الانسان وطنه يفقد كرامته. نذهب بعيداً عن الوطن.. نسافر شرقاً وغرباً... شمالاً وجنوبا... شرط ان نحس بأن الوطن هناك ينتظرنا... في اللحظة التي نقرر فيها العودة نجد احضانه مفتوحة لنا... ليس هناك من يدقق في هوياتنا وجوازات سفرنا ويصنفنا حلفاء واعداء. قلت له محاولاً تغيير مسار الحديث الى ناحية اخرى: لكن المرء قد يشعر بالغربة احياناً وهو في وطنه... أليس ذلك بالأمر المؤلم ايضا؟ قال: اتفق معك على ان هذه صورة من صور الغربة مؤلمة ايضا... لكن ما يخفف من وطئها انك تعيش تفاصيل الوطن الاخرى.. تشم رائحة ارضه.. تطلق ناظريك في سمائه... تستنشق هواءه... يراودك الامل في ان يكون الأمر طارئاً... يحدث ان تنام وتصحو فتجد الغمامة قد انقشعت وظهرت السماء من خلفها صافية... هذا لا يحدث عندما يكون الغريب محتلاً لأرضك. قلت وبوادر اختلاف في الرأي بيننا تلوح في الافق: ذكرت قبل قليل ان الوطن هو الكرامة وانه عندما يفقد الانسان وطنه يفقد كرامته... وانا اتفق معك تماماً في ذلك... وأضيف ان الوطن بلا كرامة يساوي تماماً فقد الوطن... فالوطن والكرامة وجهان لعملة واحدة... عندما يأتي الظلم من خارج الوطن يتوحد ابناء الوطن لدفعه, اما عندما يأتي الظلم من داخل الوطن فينقسم هؤلاء الابناء, وهنا تكون الكارثة التي عبر عنها شاعرنا العربي بقوله: وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند لم يشأ صاحبي ان ينهي الحوار ونحن على شبهة خلاف فقال: الظلم ظلم أيا كان مصدره وكيفما كانت صورته.. غير ان اقسى انواعه في رأيي هو ظلم الانسان لنفسه.. فهل فكر احدنا كم مرة ظلم نفسه قبل ان يظلمه الآخرون... نحن لا نتسامح مع الآخرين عندما يظلموننا, فهل سألنا انفسنا عن عدد المرات التي تسامحنا فيها مع انفسنا ونحن نظلمها؟ هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب ان يخوضها الانسان مع نفسه حيث حسابات المكسب والخسارة مختلفة؟ هل توافقني على ذلك؟ (اوافقك تماماً يا صديقي بقدر ما اتعاطف معك في محنتك) هكذا اجبته.