لا أدري لماذا يرتمي البعض طواعية في خضم بحر ممتد يتلقفهم برحابة فيظلون يسبحون مع تياره, وعندما يكتشفون انه بدأ يأخذهم بعيدا عن شواطئه لا يستنجدون او يصرخون طالبين الخلاص, بل يكابرون دون خجل ويتشبثون بموجة صغيرة غادرة تسلمهم الى اختها, وهكذا حتى يجدوا انفسهم مطوقين بمصير لم يحسبوا له حسابا . هؤلاء هم من يجدون في الكذب صديقا يفتح لهم الابواب المغلقة, فيبدأون بتخطيها واحدا تلو الاخر مستخدمين في ذلك مقولات عدة مثل (نحن لا نكذب بل نتجمل) و (الكذبة البيضاء لا تشنق صاحبها) و (كذبة تفوت ولا حد يموت) , وكأن حكمة (الصدق منج) التي يرددها العرب ويقرّها الدين والاخلاق والتربية القويمة صارت من مخلفات الماضي ولا تتماشى مع وقع هذا الزمن الذي طليت جدرانه باللون الرمادي. هؤلاء الذين وضعوا الصدق جانبا واخذوا يمارسون الكذب والزيف في تفاصيل حياتهم اليومية بأشكال مختلفة وبأساليب متطورة, مرة يلفون اكاذيبهم بأوراق لامعة وبراقة, ومرة بكلمات صغيرة وحكايات كثيرة ومثيرة, هؤلاء لا يدرون ان تلك ما هي إلا نجاحات مؤقتة لأنه مهما حاول المتعامل بتلك الخصلة اسقاط الحقيقة, ومهما اخذ يمنطق الاشياء ويصدق عليها يظل مغلفا بتكنيك الكذب ويظل شيء ما يطارده حتى يصرعه فيسقط في الخطأ. وحتى لا ادخلكم في مقدمة خطابية متعبة لا اجيد فنها اختصر المسافة وابدأ بسؤال مشروع في هذا الزمن الذي تحترق زواياه ببخور الزيف فأقول: كيف يمكنك ان تصبح دكتورا؟ ببساطة عليك متابعة هذه القصة: قبل سنوات عدة قام الرأي العام في بريطانيا ولم يهدأ اثر اكتشاف طبيب اسيوي مزيف, كان قد قطع اعواما طويلة وهو يمارس مهنة الطب دون ان يخطئ في تشخيص اي من الحالات المرضية التي مرت عليه. المثير ان الاكتشاف جاء مصادفة نتيجة عدم تمكن صيدلي جديد في المهنة من قراءة الوصفة التي كتبها الطبيب لأحد مرضاه وبالتالي استعان برئيسه في العمل الذي شك في بعض محتوياتها وقام بعرض تلك الشكوى على نقابة الاطباء والتي قامت بدورها بمراجعة اوراق الطبيب وشهاداته فوجدتها مكتملة ومصدقة, ولكنها رغم ذلك قامت بمخاطبة الجامعة التي صدرت منها الشهادة في ذاك البلد الاسيوي لتفاجأ بعدم اصدارها شهادة للطبيب المذكور, وان هذا الاسم بالذات يحمله طالب طب كان قد طرد من الجامعة لرسوبه الكثير وغيابه المتواصل. وهذا يذكرني بنماذج كثيرة اكتشفت هنا في مجالات مختلفة, ولكن الاعلام لم يركز عليها بصورة تجعلها عبرة ومثلا, فقبل سنوات طويلة اكتشفت احدى الدوائر طبيبا مزيفا كان في الاصل ممرضا, الا ان الشهادة المزيفة التي يحملها جعلته في مرتبة الطبيب, ولم تكشفها إلا الصدفة من خلال خناقة زوجية جعلت الصوت يخرج عاليا ويكشف الامر الذي كان مستورا! وغير هذا هناك اطباء ومهندسون وغيرهم يعملون في بقاع الدنيا بشهادات مزيفة لا يستطيع الجن الازرق اكتشافها. ومؤخرا شك باحث اقتصادي هو هورست بيالو في مصداقية الكثير من شهادات الدكتوراه التي تمنح من ارقى الدول والجامعات, مشيرا الى ان درجة الدكتوراه اصبحت الان في متناول اليد وبأقصر الطرق فما عليك الا ان تحدد البلد الذي تريد الحصول منه على شهادة حتى تعرف سعرها, لأن لكل بلد قيمته وسعره. وقال بيالو في مؤتمر صحافي عقده في المانيا قدم فيه كتابه (صانعو الدكتوراه) : ان تجار شهادات الدكتوراه قادرون على تأمين 400 شهادة عالية من المانيا وحدها وهي التي يضرب بها المثل في الدقة والصعوبة والعمل. واشار بيالو الى ان هناك سوقا رائجة لتلك الشهادات التي تسلم للاشخاص الراغبين مقابل مبالغ مالية تبدأ من عشرين الف مارك وتصل الى مئة الف مارك حسب قوة الجامعة واسمها العلمي والبلد وقوته الاقتصادية. المثير والمدهش ان تجار الشهادات المزيفة الذين ذكرهم بيالو اسميا في كتابه يتقلدون مناصب عليا في جامعاتهم وهم مستعدون على عمل حسومات جيدة للزبائن الدائمين او الوسطاء المعروفين لديهم. ولا نجد بعد ذلك الا ان نردد اهلا يا دكتور!