حتمية الفناء هي سر هذا الوجود, فيها وصية الخالق لعبده الذي فضله على كل المخلوقات, انه لابد ان يعود كل شيء في النهاية لأصله.الفانية, اعظم درس يتعلمه المخلوق, يؤمن به يقينا في حالات يكون اقرب الى لحظة اللاجدوى, من امر تصديقه بهذا الدرس. لحظة ان يتحول هو الى الفناء . يؤمن هذا الانسان الراحل العائد, ان معادلة الفناء هي اليقين, ويتمنى ان يعود ليعمل من هذا المنظور, يعدل ما جنت نفسه من هذه الفانية, يوصي ذريته بالحذر منها, يكاد يقول للبشرية جمعاء ذلك, يتمنى ان يسمعوه, ان يصدقوه, انه يقين النزع الاخير الذي لا يكذب أبداً. في قصة الحياة, وما حملته وصايا وعبر تاريخ البشرية, والموعظة الأهم التي عملت جميع الرسالات السماوية على ترسيخها في الارض وساكنها المتحول, هي: ان نهاية العمل فناء, نهاية الصحة فناء, نهاية المال فناء. وكذلك نهاية الانسان فناء. فكان اسم الحياة الفانية. وان (كل من عليها فان) . آية عظمى تخاطب عاقلا يبحث عن حياة مطمئنة, ونهاية تخلد عمله وذكره, وتحفظه عبدا صالحا. من يأخذ الموعظة, وهو في عز قوته ومجده, واحلامه واندفاعه وعمره الجميل. من يستقر الى القرار اليقين؟! يروى انه لما أهبط الله آدم وحواء عليهما السلام الى الارض, ووجدا ريح الدنيا, وفقدا ريح الجنة, غشي عليهما أربعين يوما من نتن الدنيا! نتنة هذه الدنيا, منذ الازل, منذ ان كانت عذراء, صافية, فكيف حالها اليوم, بعد هذه الممالك, والعصور والأجساد التي عاشت والتي دفنت. لابد ان نتنها زاد كثيرا, رغم ذلك نعبدها, نخلص لها, قد نموت في سبيل القبض على بعض من نتنها. ينسى الانسان في سعيه لها, آدميته, حقوقه, واجباته نحو بدنه, صحته, روحه التي يفترض ان لها متطلبات خاصة لا تتوفر في اللهاث نحو فتات نتن. هذا اللاهث يجني ايضا على كيانه الاسري, تغيب عنه متطلبات المنتمين له في مجتمعه الصغير, زوجه وأولاده ورغبتهم في ان يتعلموا امرا غير هذا اللهاث المتواصل, ان يجدوا أشياء اخرى في وجود هذا الرب, رب الاسرة, غير السعي الذي لا ينتهي عنده خلف هذه الدنيا. في التسابق نحو امتلاك هذه الفانية, يبدأ التشبث بالقشور يظهر الغدر, تكتنز الصدور احقادا وضغينة, تتولد صراعات وشقاقات بين المتقاربين الذين يجمعهم مكان, او مجال رزق تنافسي. واصعب الحالات ان تفرق الفانية بين اولئك المنتمين لدم ولحم واحد, الاخ وشقيقه, ان تدخل بين الابن ووالده. وما أصعب ان يتخاصم الاقارب. وينقطع شريان الحياة الواصل بينهم بسبب التنافس عليها. متى يصل طالب الفانية الى حالة الرضا وينال المراد؟ احكام سير الوقائع والتجارب تقول انه لا يصل ابداً! انه يخسر, يبدأ الخسران, بفقدان الذات, ويكبر النقصان, حساباته ورغباته كلما استقرت على قدر اكبر من فناء الفانية, كلما سولت له نفسه منية الوصول الى خيالات, وحيز اوسع من معطياتها. لا يشبع ابداً هذا الانسان. التراب وحده الذي يخلصه من هذا القلق, وهذا اللهاث, الوحيد الذي يريحه ويشبعه هو الاصل, منه جاء, وسيعود حتما له يوما, يعرف ذلك جيداً, ورغم ذلك يرفض الايمان العملي في ان العودة الى التراب قد تحدث في اي زمان, في اي لحظة. والعودة الى التراب, تتطلب ان يكون الانسان على استعداد وترقب, ان يكون جاهزاً. في الغالب لا يحدث ذلك, الا من رحم الله. تذكر الحجاج, ذات يوم درس الآخرة, فخطب يذكر الناس بالفانية, قال لهم:(ان الله عز وجل كتب على الدنيا الفناء, وعلى الآخرة البقاء, فلا فناء لما كتب عليه البقاء, ولا بقاء لما كتب عليه الفناء, فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة, فطول الأمل يقصر الأجل) . الآخرة حياة اخرى, حياة خالدة لا فناء فيها, لكن من يعمل لذلك؟ احقاب وممالك طويت, لم يبق منها الا الذكر, وبعضها طوي ذكره ايضاً. والوصية الخالدة انه كما جئنا رحلنا, وسترحلون, لا يبقى في الفانية ملك او مال او احد, الكل الى فناء. (ويبقى وجه ربك) .