بعد ان عُرض فيلم شباب امرأة في القاعة الرئيسية بالمركز الثقافي لمدينة أجد في الجنوب الفرنسي, دعت السيدة آنيت المشرفة على النشاط الثقافي بالمدينة إلى ندوة مفتوحة مع الجمهور حول أدب نجيب محفوظ, صفت المقاعد في المقهى الملحق بالمبنى والذي يفوح فراغه برائحة القهوة القوية , وُضعت منضدة مستطيلة, جلس إليها الصديق الكاتب محمد سلماوي وسهير التونسية الأصل, طالبة الدراسات العليا بجامعة آكس آن بروفنس, قسم الأدب العربي, وابنة العائلة العربية الوحيدة في مدينة أجد, ستقوم بالترجمة, رغم ان رفيق الرحلة يتقن الفرنسية كأحد أبنائها, إلا انه كان حريصا على ان يتحدث بالعربية, ويضطر من حين إلى آخر للتدخل كي يصحح بعض نقاط الترجمة, وعندئذ يبتسم الجمهور. عندما كتب محفوظ الثلاثية, عندما أبدع شخصياتها, هل تصور أنهم سيكونون الموضوع الشاغل لأهل هذه المدينة الصغيرة التي لا يزيد سكانها على عشرين ألف نسمة, معظمهم من الغجر الذين استقروا بها بعد تجوال طويل؟ قبل موعد الندوة, قرأ كل منهم (بين القصرين) و(قصر الشوق) و (السكرية) الثلاثية مطبوعة الآن في مجلد واحد تقترب صفحاته من الألف, لكنه في حجم ونوعية ورق تمكن من وضعه في الجيب, سلسلة خاصة بالأعمال الكلاسيكية العالمية. أثناء الحوار, قالت سيدة تخطت الثمانين ان كمال عبدالجواد كان متأثرا بأمه, أشرت إلى شقيقه ياسين الذي كان يبدو نقيضا له, قالت السيدة على الفور: لكن ياسين من أم أخرى. جمهور قارئ بحدة, مستوعب لأدق التفاصيل, يفيض بالتساؤلات, ليس عن الفيلم القديم الذي شاهده, انما عن أعمال محفوظ, والحياة المصرية عامة, مرتين في الجنوب التقينا بالجمهور العام, مرة في المكتبة العامة بمدينة مونبلييه التابعة لمؤسسة (فناك) التي تتبعها شبكة واسعة من المكتبات المتخصصة في توزيع كافة ما يتعلق بالكتاب والاسطوانة. ومرة في قاعة المركز الثقافي بمدينة أجد, ومرة ثالثة في المركز الثقافي المصري بالعاصمة باريس, مرتين التقينا بجمهور متخصص في الأدب العربي الأولى بجامعة بول فاليري, والثانية بجامعة أكس ان بروفنس, الندوات الخمس جزء من برنامج استمر لمدة أسبوع تم تنظيمه بمبادرة من الدكتور هاني هلال المستشار الثقافي المصري النشط بالسفارة المصرية بالتعاون مع (فناك) وبلدية مدينة أجد, واليونسكو, احتفالا بعيد ميلاد نجيب محفوظ. خلال الندوات طرحت أسئلة عديدة من الأصدقاء الفرنسيين, تعكس في معظمها رؤيتهم لأدب محفوظ خاصة وللأدب العربي عامة. *** مونبلييه يقع الفرع الرئيسي لمؤسسة (فناك) بالسوق التجاري الكبير وسط المدينة المطلة على البحر الأبيض المتوسط والتي درس بها طه حسين في بدايات القرن, بكل مكتبة قاعة للندوات الثقافية يتم فيها استضافة أديب أو كاتب يلتقي بالجمهور ويتم عرض كتب, الجمهور هنا لا ينتظر من الكاتب اهداء نسخة, حتى المقربين منه ومحبيه, يذهب الواحد منهم ويشتري نسخة يقدمها إلى المؤلف ليحصل فقط على توقيعه. احتشدت القاعة الرئيسية بجمهور من الفرنسيين والعرب, ادار اللقاء الاستاذ دجان استاذ الأدب العربي بجامعة مونبلييه والسوربون, أما الترجمة فقام بها مصري مقيم منذ أربعة عشر عاما في المدينة سكندري الأصل اسمه جورج رزق الله. تحدث سلماوي عن مراحل علاقته بمحفوظ, كذلك كاتب هذه السطور, سأل الاستاذ دجان عن ترجمات محفوظ. تحدث سلماوي عن قصور الترجمات التي تمت وعدم نقلها لمستويات اللغة المختلفة عند محفوظ, وعدم وجود خطة لتقديم أعمال بشكل منظم, خاصة وان الجمهور الفرنسي تعرف عليه بعد نوبل, أي بعد ستين عاما من بدئه الكتابة, خضعت الترجمة لاجتهادات الناشرين, أكد سلماوي ان المشكلة ليست في المترجم, لكن في صعوبة اللغة نفسها, قال انه يقرأ النصوص في الفرنسية فيجد الحوارات ذات مستوى واحد, بينما نجدها في الأصل متعددة المستويات. سؤال من أحد الحاضرين (فرنسي) عن الحارة المحفوظية, والحارة في رواية وقائع حارة الزعفراني؟ قلت: انني عشت في نفس المنطقة التي ولد بها محفوظ, لكن في زمن مغاير, عاش هو في بداية القرن, ولد عام أحد عشر وانتقلت أسرته إلى العباسية عام أربعة وعشرين, في النصف الأول من القرن كانت الحارة القاهرية ذات مضمون مغاير لما أصبحت عليه منذ ثلاثينيات القرن, كان منزل الباشا يجاور التكية حيث الدراويش, والربع الذي يعيش فيه الفقراء, وفي نهاية الحارة القبو الذي يمر تحت مسجد أو بيت أحد الكبار ليسهل على الناس قطع الطريق, لقد مرت الحارة عند محفوظ بمرحلتين: الأولى واقعية, نجدها في قصصه القصيرة وروايات زقاق المدق وخان الخليلي والثلاثية, لكن بدءًا من أولاد حارتنا يصبح للحارة بعد آخر, رمزي, لقد فكك محفوظ عناصر الحارة وأعاد صياغتها ليخلق واقعا قائما بذاته, له خصوصيته نجد ذلك بدءا من أولاد حارتنا وحتى قصصه القصيرة الأخيرة التي تقف بالحارة عند حدود الشعر, في وقائع حارة الزعفراني نجد الحارة المصرية في زمن آخر, عندما أصبحت تحتوي الحضيض الاجتماعي, الحارة التي عرفتها كانت للفقراء والموظفين الصغار والحرفيين والمهاجرين من الريف بعد ان هجرها الأثرياء والطبقة المتوسطة, حاولت ان أعبر عن البعد الاسطوري للحارة, فالمكان في القاهرة القديمة متعدد الطبقات, عتيق ويتداخل فيه الواقعي باللاواقعي. * سؤال إلى محمد سلماوي عن ممارسة محفوظ للكتابة الآن؟ قال ان الطعنة الغادرة أصابت العصب المتصل باليد اليمنى ولكم كان مؤلما ان يرى الانسان أعظم روائي عربي يضطر إلى ان يستخدم ختما للتوقيع, لكن ارادة محفوظ القوية ساندته في محاولات لاستعادة قدرته على الكتابة, لمدة ست سنوات تقريبا انتظم في العلاج الطبيعي, واظب عليه يوميا, في أحد الأيام قال لي انظر إلى صفحات الكراسة هذه, تطلعت إلى السطور التي كتبها بخط يشبه كتابة الأطفال. قال محفوظ: ألا تلاحظ شيئا؟ ثم قال: انظر.. لقد استطعت الالتزام بالسطر, الكلمات لم تنزل. قال سلماوي انه كاد يدمع ذلك اليوم, ان محفوظ مرتبط بعاداته, لايكتب الا بيده لا يملي قصصه على أحد, لا يستخدم الاجهزة الحديثة, وقد بدأ جهدا وتدريبا أثمر بالفعل, ولنلاحظ انه بدأ ذلك وهو في العقد التاسع, بعد الثمانين, الآن يكتب لمدة ساعة يوميا. سؤال من مصري يدرس في مونبلييه حول الإسلام والارهاب, خاصة ان الرأي العام في فرنسا يقرأ أحيانا كتابات تقرن الاثنين؟ قلت ان جماعات العنف تسترت بالاسلام, بالدين, ولكن الاسلام في جوهره ينبذ العنف, ويحرم قتل النفس التي خلقها الله. اكس ان بروفنس ربما لا يعرف كثيرون ان قسم اللغة العربية الشهير بجامعة اكس ان بروفنس انشئ بمبادرة من الدكتور طه حسين واقتراح منه, قبل وصولنا إلى الجامعة التقينا بعدد من أساتذتها المرموقين, في مقدمتهم ريشار جاكمون المستعرب الشهير الذي عاش في مصر سنوات عمل خلالها مسئولا عن الكتاب في قسم النشر بمركز الأبحاث, واثمر جهده خلال تلك السنوات عن حركة ترجمة نشطة في الاتجاهين, من العربية إلى الفرنسية ومن الفرنسية إلى العربية, الآن يعمل استاذا للأدب العربي بجامعة أكس ان بروفنس التي درس بها. استقبلنا أيضا الاستاذ داود كريل المتصوف والصديق الحميم وأحد كتاب أخبار الأدب والاستاذ ميشيل توشرتر استاذ التاريخ العثماني فاجأني باكتشافه وثائق تتعلق بالشخصية الحقيقية للزيني بركات محتسب القاهرة في الزمنين المملوكي والعثماني. في مقر الجامعة جرى اللقاء الذي حضره جميع الطلبة قسم اللغة العربية بعضهم عرب والآخرون فرنسيون. تحدثت عن علاقتي بمحفوظ من خلال الندوات التي كان يعقدها للشباب والكبار والتي نمونا خلالها ونضجنا, تحدث محمد سلماوي عن مراحل علاقته به, وعن بعض صفاته الشخصية, قال انه ذهب مرة في موعده المحدد كل يوم سبت ليجري معه الحوار الاسبوعي الذي ينشره صباح الخميس في (الأهرام) , بمجرد لمسه للجرس فوجئ بمحفوظ يفتح له الباب, دهش لأن الاستاذ لا يسمع الجرس وفي هذا اليوم لم يكن يوجد أحد من الأسرة في البيت, قال محفوظ انه يعرف دقة سلماوي في المواعيد, وباحساسه أدرك انه أمام البيت. سؤال: عن وضع أعمال محفوظ في اللغات الأخرى؟ في البداية يجيب ريشار جاكون قائلا ان أعماله منتشرة باللغة الاسبانية, ربما لأن دول أمريكا اللاتينية تتحدث الاسبانية. سؤال: ماذا عن شخصيات نجيب والواقع؟ قلت ان معظم شخصيات محفوظ من الواقع ولكنه يضيف إليها, يعيد ايجادها من جديد, أتيح لي ان أشهد ميلاد بعض شخصياته, ضربت مثلا برواية الكرنك التي ولدت لحظة رؤيته لحمزة البسيوني قائد السجن الحربي الرهيب في مقهى عرابي بالعباسية بعد خروجه من المعتقل عام سبعين, وبرواية (المرايا) في احدى السنوات قال محفوظ لنا في مقهى عرابي انه لا يضع يده على موضوع محدد لرواية هذا العام, لذلك فكر في التعامل الروائي مع شخصيات عرفها من الحياة هكذا ولدت (المرايا), أما بطل شخصية (السراب) فحقيقي, وكاد يفتك بمحفوظ عندما علم من البعض انه المقصود في الرواية. سؤال: من هم الأدباء الذين كانوا يحضرون الندوات؟ قلت: ان ندوة الأوبرا كانت مزيجا من حضور ينتمي إلى الأدباء الكبار والشباب, كان هناك أحمد علي باكثير ويوسف الشاروني وثروت أباظة وعبدالحميد جودة السحار, وأدباء ظهروا لفترة واختفوا ثم أدباء الستينيات الذين كانوا مازالوا في مقتبل العمر, ويمكن القول ان حركة الستينيات ظهرت في هذه الندوة, إذ تعرف أدباؤها على بعضهم البعض في ندوة محفوظ خاصة بعد انتقالها إلى مقهى ريش, ثم مقهى قصر النيل, حيث أصبح معظم الحاضرين من الشباب, وبعد محاولة الاغتيال اختلف الوضع إذ أصبحت اللقاءات تتم في أماكن مغلقة ويلتف حوله الأصدقاء المقربون. سؤال: ماذا عن علاقة محفوظ بالأدباء الجدد وتأثيره فيهم؟ قال محمد سلماوي ان نجيب محفوظ ليس رمزا ساكنا ولكنه في حالة حوار دائم مع مريديه, انهم يتأثرون به, ويتأثر بهم, فهناك تفاعل بين الطرفين. سؤال: عن تأثير نوبل في الأدباء المصريين؟ قال ريشار جاكمون ان محفوظ حصل على نوبل بعد بدء فترة تراجعت فيها قيمة الأدب وجاءت جائزة نوبل لتشيع روحا من التفاؤل. سؤال: من هو محفوظ في شخصياته؟ قلت: انه وزع نفسه على شخصيات رواياته, يمكننا القول انه كمال عبدالجواد في مرحلة معينة, وانه موجود في ياسين أيضا.