تحكي رائدة المرأة العربية الحديثة هدى شعراوي (1879 ـ 1947) في مذكراتها كيفية دخول المرأة الى الجامعة للمرة الاولى, وكان ذلك بعد افتتاح الجامعة بأسابيع, تقول ان افتتاح الجامعة في نهاية سنة 1908 ادى الى ظهور بوادر نهضة أدبية بين السيدات الراقيات, وأنهن اخذن يتهممن بالجامعة وأخبارها , ويسعين الى حضور بعض محاضراتها, وكانت محاضرات الجامعة في سنتها الاولى محاضرات عامة, يسمح للجمهور بحضورها نتيجة رسم معلوم. ولكن ما كانت التقاليد تسمح في ذلك الوقت للمرأة بالحضور الى الجامعة او التدريس فيها. وتشاء الاقدار ان تكون المدموازيل كليمان الفرنسية هي المرأة الاولى التي تلقى محاضرة في الجامعة, وهي كاتبة متوسطة القامة, حصلت على درجة الدكتوراة في التربية, وقد مرت بمصر في طوافها حول العالم منتدبة من نادي السياحة لمؤسسة كارنيجي, وقد تولى علي بك بهجت رعايتها في القاهرة, وقدمها الى هدى شعراوي طالباً منها ان تقوم بمهمة تعريف الكاتبة الفرنسية بسيدات مصريات, فقامت هدى شعراوي بالواجب نحوها, ودعتها ذات ليلة الى الاوبرا الخديوية, وبينما كانت تتحدث عن جولاتها والخطب التي كانت تلقيها في مختلف البلاد, سألت عما اذا كانت السيدات المصريات يتلقين محاضرات او يحضرنها, فصارحتها هدى شعراوي بالحقيقة, وهي ان شيئاً من ذلك لم يحدث بعد. ويبدو ان الفكرة أعجبت هدى شعراوي, فطلبت من صديقتها المدموازيل مارجريت كليمان ان تلقي على صديقاتها محاضرة عن المرأة الشرقية والغربية في مسألة الحجاب. فقبلت الآنسة كليمان مشترطة ان تكون المحاضرة تحت رئاسة احدى السيدات الكبيرات سنا ومقاماً, لأن سن هدى شعراوي في ذلك الوقت لم تكن تسمح لها بذلك, ووعدت هدى شعراوي بالبحث عن سيدة كبيرة سنا ومقاماً, غير آملة في اقناع والدتها بترأس هذه الحفلة, ولكن الحظ يساعدها اذ تقابل في تلك الليلة نفسها, وهي خارجة من مقصورتها في الأوبرا الأميرة عين الحياة أحمد التي كانت تحبها وتعطف عليها, وتقدمت هدى شعراوي الى الاميرة التي بادرتها بالتحية, وبعد تبادل عبارات المودة, عرضت هدى شعراوي على الأميرة المشروع, ورجتها ان تقبل رئاسة اجتماع المحاضرة, فقبلت الاميرة من غير تردد, وأخذت هدى شعراوي على عاتقها ايجاد القاعة المناسبة, واعداد تذاكر الدعوة وتوزيعها بأسرع ما يمكن. وعندما عادت هدى شعراوي الى منزلها عرضت الفكرة على زوجها علي بك شعراوي احد زعماء ثورة 1919 فيما بعد, وكان يشجعها على نشاطها الاجتماعي بين النساء, ويدعم هذا النشاط بالرأي السديد, فاستحسن فكرة زوجه, واستصوب ان يكون الاجتماع في ادارة (الجريدة) التي كان يرأس تحريرها احمد لطفي السيد, او يكون في احدى صالات الجامعة التي كانت في منزل خيري باشا في ذلك الوقت. وتحمست هدى شعراوي للاقتراح الخاص بأن تكون المحاضرة في احدى صالات الجامعة, وبالفعل, طلبت الاذن من علوي باشا الذي نصحها بكتابة طلب بذلك الى مجلس ادارة الجامعة الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الامير احمد فؤاد (الملك فؤاد فيما بعد) , وتكتب هدى شعراوي الطلب الذي يوافق عليه مجلس الجامعة ممثلاً في رئيسه, ويتحدد موعد المحاضرة بيوم الجمعة الخامس عشر من يناير سنة 1909 لتكون الجامعة خالية من المعلمين والطلبة. وكانت هذه المحاضرة الاولى التي ألقيت على جمع من السيدات في الجامعة المصرية, وقد لقيت المحاضرة نجاحاً وتقديراً شجعا هدى شعراوي على أن تطلب من المدموازيل كليمان ان تعود الى مصر بعد ذلك لتلقي سلسلة من المحاضرات المفيدة على السيدات, وبخاصة بعد ان اذن الامير احمد فؤاد رئيس مجلس ادارة الجامعة بمحاضرات خاصة للسيدات في أيام الجمع. وكانت محاضرة المدموازيل كليمان بداية توثيق العلاقة بين هدى شعراوي والاميرة عين الحياة احمد, وتذكر هدى شعراوي في مذكراتها ان الاميرة كانت قد تأخرت عن موعد حضورها في يوم المحاضرة, فتأخر بدء المحاضرة عشر دقائق, ولما لم تحضر الاميرة بدأت المحاضرة المدموازيل كليمان حديثها, وكانت هدى شعراوي قد اجلست بعض قريباتها مقاعد الصف الاول الذي كان محجوزاً للأميرة, ثم لم تلبث الأميرة أن أقبلت, ورأتها قريبات هدى شعراوي فأخلين لها المقاعد, ولما رأت السيدات الحاضرات ذلك قمن جميعاً مثل هدى شعراوي وقريباتها, وكان من نتيجة ذلك ان سكتت المدموازيل كليمان عن الحديث وقامت هي الاخرى واقفة, معتقدة ان هذا القيام تقاليد لا بد من مراعاتها, فأسفت الاميرة عين الحياة احمد لأنها سببت كل هذا الانزعاج, واعتذرت للمدموازيل كليمان عن التأخير وعندئذ, رجت هدى شعراوي المحاضرة ان تبدأ محاضرتها من جديد. وقد أثارت هذه الحادثة سخط الاجنبيات اللائي كن حاضرات, وانتقدن الموقف بعد حدوثه لأن المحاضر عندهن لا يجوز ان يقاطع حديثه او يقف مهما كان مركز القادم, ولكن العذر ـ فيما تقول هدى شعراوي ـ ان هذه كانت اول محاضرة تلقى على السيدات اللائي لم يكن قد تعودن على مثل هذه الاجتماعات بعد, واللائي دفعهن نجاح المحاضرة الاولى الى المطالبة بالمزيد, خصوصاً في أيام الجمع التي تكون فيها الجامعة خالية لهن تماماً, ويكن جميعا في مأمن من عيون الأساتذة والطلاب الرجال. وسرعان ما تحولت المحاضرة الاولى للمدموازيل مارجريت كليمان الى محاضرات, وتحولت لغة المحاضرات من الفرنسية الى العربية, عندما دخل مضمار المحاضرات السيدات المصريات اللائي كن يحسن المحاضرة بالعربية, وكانت في الطليعة من هؤلاء السيدة ملك حفني ناصف التي اشتهرت باسم باحثة البادية, والتي كانت تقوم من قبل بإعلان آرائها في الجرائد فقط, فقامت بالقاء سلسلة محاضرات مفيدة في الجامعة, وفي صالة (الجريدة) التي كان يرأس تحريرها احمد لطفي السيد بك وكان من المألوف في السنتين الاوليين من عمر الجامعة ان تلقي بعض محاضراتها خارج المبنى الذي استأجرته ادارة الجامعة, وأن تكون هذه المحاضرات في صالة (الجريدة) التي كان صاحبها احمد لطفي السيد من أهم مشجعي الجامعة المصرية ورعاتها, وذلك من قبل ان يصبح رئيساً لها في سنوات تحولها من جامعة أهلية الى جامعة حكومية. ولكن محاضرات الرائدات المصريات, من أمثال ملك حفني ناصف او لبيبة هاشم صاحبة مجلة (فتاة الشرق) او غيرهن, لم تقض على فكرة المحاضرات الفرنسية, فمن الواضح ان اقبال نساء الارستقراطية المصرية ونساء الجاليات الاجنبية قد دعم فكرة هذه المحاضرات التي تواصلت باللغة الفرنسية التي كانت لا تزال لغة الارستقراطية المصرية في ذلك الوقت, وقد أدى ذلك الى تعاقد ادارة الجامعة مع المدموازيل ماجريت كليمان لإلقاء محاضرات بالفرنسية في علوم التربية, بل قامت الجامعة بطبع الأطروحة التي حصلت بها المدموازيل كليمان على درجة الدكتوراه من فرنسا. ويبدو ان نجاح محاضرة المدموازيل كليمان قد دفع صديقتها هدى شعراوي الى استغلال التأثير الايجابي للمحاضرة بين السيدات الراقيات, فأعلنت أن الوقت قد حان لتأسيس ناد أدبي للسيدات, يجتمعن فيه للبحث في الشئون الأدبية والاجتماعية, وعرضت هدى شعراوي الفكرة على الاميرات اللائي كن يتصلن بها, وطلبت رعايتهن لهذا المشروع, فقبلن بارتياح, وحددن موعدا للاجتماع في منزلها للاتفاق على التفاصيل, وكانت الصداقة قد توثقت بين هدى شعراوي والمدموازيل كليمان التي كانت تتبادل واياها الخطابات, وتطلعها هدى شعراوي على أمانيها الخاصة في إصلاح احوال المرأة المصرية, وقد وعدت المدموازيل كليمان صديقتها المصرية بمساعدتها اذا تحققت مشروعاتها, كما وعدتها ان تحضر خصيصاً الى مصر للاشتراك معها والقاء محاضرات اجتماعية, وتكتب اليها هدى شعراوي, تبشرها بقرب تحقيق أمنية من أمانيها الغالية, وهي تأسيس ناد للسيدات, وتطلب اليها الحضور في الموعد المحدد لعقد أول اجتماع في منزلها. وتأتي المدموازيل كليمان بالفعل, وتحضر الاجتماع الذي انعقد في قصر هدى شعراوي برئاسة شرف الأميرة أمنية حليم وعضوية الأميرات المصريات والأجنبيات وتتشكل لجنة باسم (جمعية الرقي الأدبي للسيدات) وتضم من بين اعضائها, الكاتبة مي زيادة وكانت لا تزال في بدء حياتها الأدبية, وتتولى السيدة لبيبة هاشم صاحبة مجلة (فتاة الشرق) مهمة السكرتيرة العربية لهذه اللجنة.