بوسع الألمان الذاهبين لقضاء العطلة ان يبقوا حيواناتهم الأليفة في صف من الأقفاص كانت مخصصة لايواء الكلاب النجومية لحرس الحدود. وثمة برج مراقبة مهجور يستخدم كناد لهواة الراديو, وخارج الأبنية السكنية الاشتراكية الطراز, وهي من مخلفات بلد اختفى كان يدعى ألمانيا الشرقية, تشعشع في الليل أضواء الاعلانات الدعائية لمأكولات أمريكية . في شلاغسدروف, البلدة الصغيرة القابعة على خط مواجهة الشيوعية في صراعها مع الغرب, تحولت مكاتب مزرعة جماعية قديمة ومعطلة إلى مصرف. يقول مراسل وكالة الاسوشيتدبرس: لقد جئت بعد عشر سنوات لاقتفي أثر خطواتي في رحلة سابقة قمت بها في آخر أيام الستار الحديدي, فأذهلني مدى الاتقان في محو الآثار والندوب المروعة, ان الطرق التي كانت تنتهي عند جدار أصم تجري اليوم بانسياب لا يعترضه عائق بين القرى. وطرق الدوريات الحدودية تحولت إلى طرق للدراجات الهوائية, وحقول الألغام تنبت الذرة والشوفان من جديد والاسلاك المتشابكة التي نسج منها الستار الحديدي تحولت إلى سياج للحدائق وأغراض تذكارية وغطاء لأكوام الحطب, وثمة عدد صغير من أبراج مراقبة وأجزاء من الحائط أبقيت في مكانها للذكرى والتاريخ. بالنسبة للألمان الشرقيين من أمثال انجيليكا جونسنهايمر كان التغيير مؤلما, فبعد زوال نشوة سقوط الستار الحديدي وتعرض الفقر الألماني الشرقي للرياح الخام للرأسمالية فقدت انجليكا عملها كموظفة في احدى المكتبات فشعرت ان ثقافة الغرب الاستهلاكية قد حقرتها, والقشة الأخيرة التي قصمت ظهرها كانت اكتشاف ان المكتبة الجوالة التي كانت زاويتها الخاصة في الستار الحديدي قد تحولت إلى مرحاض عام. ولكن بدلا من الاعتماد على المعونات فضلت انجيليكا وزوجها خوض ميدان تجارة المنظفات الفراغية (فاكيوم كلينر), فكانا يطرقان الباب بعد الآخر لترويج منتوجات شركة ألمانية للأدوات المنزلية فأبليا بلاءً حسنا ونالا مكافآت من الشركة لبيعهما أدوات كانت انجيليكا تعتبرها سابقا محقرة. في قصة الحياة التي دمرت وانبعثت من جديد يجسد الزوجان جونسنهايمر اعادة بناء الحياة بمحاذاة خط الاسمنت والاسلاك الشائكة والألغام والرشاشات التي شوه أوروبا طيلة أربعة قرون. من البلطيق إلى الادرياتيك, حسب تحديد وينستون تشرشل في العام 1946, امتد الستار الحديدي على مسافة 1660 ميلا, إلا انه لم يكن صارخا مثلما كان عبر الأراضي الألمانية, فأكثر من 900 شخص قضوا بالرصاص والألغام والغرق في أثناء محاولتهم الفرار, وكان يجري تدريب الحراس الألمان الشرقيين على عدم التحدث أو التلويح للناس في الجانب الغربي من الخط ولم تكن عبارة (الحرية تنتهي هنا) القذرة التي درجت في الحرب الباردة قابلة للتطبيق في هذا المكان. وفجأة, في 9 اكتوبر 1989, فتح جدار برلين, وفي غضون أيام قليلة أخذ الخط الذي يقسم ألمانيا إلى شطرين يختفي, وحيثما كان السد ينهار كانت جموع الألمان الهازجين والباكين تجري كالنهر لتعبر إلى الجانب الآخر. وكان محتوما ان تكون النشوة قصيرة العمر, فحتى قبل اعادة توحيد ألمانيا رسميا في 3 نوفمبر 1990 كان انقسام الألمان بين (شرقيين) و (غربيين) واضحا, وبعد عشر سنوات لايزال طيف الحدود يلون أحاديث الناس في الجانبين. الغربيون يشكون من ان الضرائب التي يدفعونها تذهب هدراً على الشرقيين الذين عودتهم الشيوعية على الكسل ونقص المبادرة, ويشعر الشرقيون ان الغربيين القوا بهم في أدغال الرأسمالية ثم أخذوا يتعالون عليهم لكونهم فقراء, انهم يسمعون الغربيين يسخرون من لكنتهم وعاداتهم في العمل وطريقة عيشهم, والمال الغربي الذي ينفق لرفع مستوى معيشة الشرقيين يجعلهم يشعرون انهم عالة وطفيليون على الغربيين. تقول زيجريد باومجارت المعلمة الألمانية الشرقية المتقاعدة التي تصطاف في موقع على بحر البلطيق كان يجتازه الستار الحديدي: (انهم يرددون على مسامعي انني لا استحق معاش التقاعد الذي اتقاضاه) . وتقول الحكومة انها أنفقت أكثر من أربعة مليارات دولار على ترميم أكثر من أربعة ملايين منزل في ألمانيا الشرقية السابقة واصلاح الطرقات وأسقف المنازل واقامة كابينات الهاتف ومواقف الباصات وأضواء في كافة القرى. والمال هو احدى وسائل سد الثغرة بين الشطرين, والتركيز على التاريخ المشترك هو وسيلة أخرى, فالاشارات التي كانت تحمل عبارة (قف الحدود أمامك) استبدلت بعلامات حدود اقليمية تحمل دروعا قديمة ـ نسر مقاطعة لوبيك, على سبيل المثال, إلى جانب الثور المتموج الذي يمثل ميكلنبرج. في قرية رويتربرج على الضفة المقابلة من النهر, تتكلم غابي هامر عن تجاربها بلهجة مختلفة تماما, وقد انتقلت إلى هذه القرية من الناحية الغربية قبل سنة برفقة زوجها وابنها, انها تتكلم, وهي واقفة في حديقة منزلها الخشبي الجديد, عن ذهابها إلى مهرجان القرية والاستمتاع بوقتها, وتقول انهم اناس دافئون وطيبو القلب جداً, لقد استمتعت كثيرا, مثل هذا الأمر لا يمكن ان يحدث في الجانب الآخر. هذه النزاعة نحو طريقة العيش الأكثر بساطة وأقل وقاحة هي موضوع حديث متكرر بين كثيرين من الغربيين, انهم يحسون لدى الشرقيين نوعا من البراءة والمقدرة على القناعة بالقليل, الأمر الذي يذكرهم بسنواتهم العجاب هم في الحرب في الحرب العالمية الثانية التي دمرت بلدهم. واليوم, من بين ركام العالم الشيوعي الميت يخرج تحد جديد ليس لرفع 19 مليون ألماني شرقي سابق إلى المستوى الغربي فحسب, بل لسد المنافذ أمام آلاف المهاجرين غير الشرعيين من البلدان الشيوعية السابقة الذين يأتون للبحث عن حياة أفضل. قبل عشر سنوات, كانت مهمة شرطة الحدود مساعدة اللاجئين الفارين من الشيوعية على الوصول إلى الحرية, واليوم هي ابقاء اللاجئين بعيدا عن الفقر والبعض يقول ان الستار الحديدي هو اليوم (الستار الذهبي) . زوجان على دراجتين يمران قرب نصب كتب عليه (اننا شعب واحد) قرب بلدة لوبيك في ألمانيا